من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٤٨٢هذا
استقبال باي قسنطينة للزياني
وأقمت بقسنطينة خمسة عشر يوماً وقدم الباي من حركته فساعة دخوله للبلد قدم عليّ أحد الطلبة المذكورين، وخبرني أن الباي بلغه خبر قدومك وكتب لخليفته أن يكرمك ويحسن نزلك، وهو الذي وجهني الآن للسلام عليك، فقم للسلام عليه فقلت لا يمكن هذا ولا آتيه إلا إذا بعث إلي، فقال يا سيدي، أليس من عمل بلادكم فكل الناس يأتون للسلام على الباي، فما عنده حاجب ولا راد، فقلت لا أتوجه له إلا إذا بعث إلي، فإني في إكرامه وضيافته، وكيف لي بالدخول على رجل لا يعرفني ولا أعرفه ولا بعث لي وأدخل عليه بغير إذنه، هذا شيء فيه قلة أدب عندنا، فلا أقدم ولا أرتكب إلا ما أعرفه صواباً وجائزاً في دولتنا. فلما رجع إليه وسأله عني أخبره الخبر وما وقع بيني وبينه من الكلام في شأن الملاقاة فقال له هذا من تمام عقله وأدبه، وفي غد إن شاء الله اصحبه معك، ومن الغد أصبح علي في غير وقت اللقاء، وكان رجلاً مغفلاً ومعه طيش على كبر سنه، وقال لي: إن الباي يدعوك للقدوم عليه فقم بنا إليه، فتوجهت معه إلى أن دخلنا الدار وصعدنا في المدارج إلى محل جلوسه في محكمته، فوجدنا أعيان رجاله وشواشه ومماليكه قائمين يميناً وشمالاً خارج القبة التي هو بها، وهو في داخلها مع كتابه وكبار دولته والرجل معي إلى أن واجهنا باب القبة ووقع نظري على الباي ونظره علي فلم أجد الرجل، فلم يسعني الرجوع بعد مقابلته، ودخلت القبة وسلمت عليه وهو جالس على الأرض، وهو يحسب مالاً بين يديه، فرد السلام وقال: هذا فلان، فقلت نعم، فقال مرحباً بك وأهلا وسهلا ومد يده لمصافحتي بظاهرها لأن باطنها ملطخ بوسخ الفضة التي كان يعدها. ولحقه من ذلك حياء، فأمر بالإبريق والطست والصابون فغسل يديه، وقام من محله فجلس على مرتبته وأجلسني بجنبه وأقبل علي بالسؤال وأمر برفع المال إلى أن أكمل
482