من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٤٩٤بمثل هذه العبارات حاول حمدان خوجة كسب عطف الشخصيات الفرنسية المؤثرة، وكان يأمل من وراء ذلك التأثير على مخططات فرنسا في الجزائر، وقد أدى به ذلك في موقف حرج فهو من جهة يحاول كسب رضا الفرنسيين حتى يحافظ على عضويته في بلدية الجزائر، وفي اللجنة المكلفة بالنظر في تعويض الأشخاص الذين هدمت منازلهم للمصلحة العامة على عهد إدارة كلوزال للجزائر، وفي الوقت نفسه يحاول بكتاباته الحدّ من مظالم الجيش الفرنسي على الجزائريين ويصر فهم عن سعيهم للعمل على ضم الجزائر، واستعمارها، ففي الفصل الرابع من المرآة يحاول إقناع الفرنسيين بالعدول عن فكرة الاحتفاظ بالجزائر بحجة أنها عديمة الفائدة لفرنسا بالنسبة لإمكانياتها الطبيعية والبشرية، وأن سهل متيجة القريب من مدينة الجزائر والذي كان هدفاً لأطماع المعمرين الفرنسيين؛ هو مصدر للأمراض المختلفة لانتشار المستنقعات به وأن إنتاجه من الحبوب من النوع الرديء.
إن حمدان خوجة بمثل هذه المواقف وتلك الأفكار كان يتصرف بنظرة مثالية وعاطفة رومنسية مبهورة ببريق الحضارة الغربية، كما كان يتعامل في نفس الوقت بدافع المصلحة الذاتية والفهم الآني للسياسة الفرنسية بالجزائر التي من الراجح أنه لم يكن يعرف أبعادها، وهذا ما جعل أفكاره رغم جدَّتَها وحدائها تبدو غير واقعية بل ساذجة في بعض الأحيان، ونابعة من عاطفة رومانسية جياشة كما يبدو. ذلك قوله: إن ما فيه وطني كان يقلقني باستمرار، وكثيراً ما كنت خلال تسجيلي لهذه التعاسة أضع قلمي لأترك دموعي تنهمره.
من
إن التفاعل الذي أظهره حمدان خوجة قضايا عصره وحاجات مجتمعة مع والأفكار التي عبر عنها في كتاباته وخاصة في المرآة من قبيل المطالبة بالأخوة والعدالة وحق الشعوب في الحرية والسيادة تجعله في طليعة المثقفين المسلمين الذين دعوا إلى الأخذ بالقيم الحضارية الغربية في مجتمعاتهم، كما يعتبر واضع أسس مطالب النخبة السياسية الجزائرية في الربع الأول من القرن العشرين، وهذا ما يجعل منه بحق مصلحاً سياسياً. ولعل هذا ما جعل الأستاذ أبا القاسم سعد الله في معالجته لتاريخ الحركة الوطنية الجزائرية يعتبر حمدان خوجة ليس فقط رائداً
494