من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي ناصر الدين سعيدوني

من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٤٩٨

ضرورة الوقاية من الوباء

لما رأيت الخلل الداخل على المسلمين بإهمال هذه القواعد وإنكارها التوسط في الأمور وإعطاء كل ذي حق حقه والتزام التقشف والتعصب في عدم دفع المضرة وملاحظة أغوارها في كثير مما ابتكره الإفرنج بدعواهم، واشتهرت نسبته إليهم مما يتعلق بأمور دنياهم حتى بعضهم أنكر على الذين يستحسنونها وعدوا ما يطرأ لهم من المضرة قربة يحتسبونها. وكنت قد تجشمت أسفاراً … وصرفت فيها برهة من العمر .. فكنت رأيت بالبلاد الفرنجية انتظام أمورهم واعتناءهم بأمور السياسة في حياة جمهورهم وخصوصاً حيث التزموا لدفع الوباء عنهم ما جربوه من الاحتماء والاحتراز بالاستقراء في عدم إدخال الداخل إليهم إلا بعد تحقيق البراءة والاستبراء وجعلوا لذلك حكاماً في أماكن حصينة مع غاية الاحتياط، وسموا ذلك كرنتينة، فأصابوا في بعض ما فعلوا، وأخطأوا في إسنادهم التأثير فيها للأسباب التي كان موجباً لنفرة المسلمين

عن كل ما فعلوا، عوضاً عن النفرة عن خصوص ما أعتقدوه في هذا الباب .. لقد حضرت في مدة حياتي، وهي تنيف عن الستين، وقوع الوباء بالجزائر متفرقة على سنين كان مجموع تلك المحنة عشرين سنة، فشوهت خلقة الجزائر بعد أن كانت عذراء، ممتحنة فأقفرت معالم البلاد، وتشوشت أحوال العباد، واضمحل العلم وذوو الاستعداد وانقرض من الفكر من كان عدة في العمران والفلوات. ففشى فيها - يومئذ - الفساد واكتهل واتسع الخرق ولم يبق للراقع محل، فيا لها من رزية تقشعر لها الجلود الحساسة ويا لها من خسارة ومبدؤها إيراد ممرض على مصح، كما أن مبدأ الحريق شرارة، هذا والفرنج التزموا غاية الاحتراز فلم تطرف، ساحتهم حتى زعموا أن لهم عمراً طبيعياً يبلغونه ويغتنمون

،

498