من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٥٣٢انهزم سليمان كاهية ومن معه من المحلة فلم يسعه إلا الفرار، حتى كأن الهزيمة وقعت بتدبير، وكان ذلك الأحد الخامس والعشرين من صفر سنة (1222). يوم اثنتين وعشرين ومائتين وألف (3) ماي 1807 م) وبقي أناس من دريد بنسائهم وأولادهم، احتوت عليهم محلة قسنطينة وعربانها ولم يقدروا على التخلص منهم، وأنزلهم باي قسنطينة أرضاً تسمى الآن: بحيرة دريد، وتملكوا بها إلى وقتنا هذا، ورجعوا إلى الكاف وتسللوا للحاضرة، وكل من يصل من أعيان المحلة يعيرة الباي ويأمر بسجنه وكان ممن أتى حميدة بن عياد أمير محلة الأعراض، ولما وقف بين يديه عيرة وأمر أبا محمد حمودة الأصرم خوجة زواوة بإيصاله إلى السجن، فحاذاه وماشاه فانتهره الباي وقال: ضع يدك عليه مثل المسجونين، وحسبه من الاحترام أن أمرتك بإيصاله، ولم نبعثه مع أ أحد الأضه باشية.
هذه -
ولما أتى سليمان كاهية أمير المحلة وقف بين يديه باكياً أسيفاً. فقال له: «لا أعتقد فيك خيانة ولا جبنا، ونعلم ما أنت عليه. من الغفلة، فإضاعة الحزم - والحالة مني، وقد خدمت أبي وحملتني صغيراً على عاتقك، والحياء يمنعني أفعل بك ما فعلته بأمثالك، فالمناسب أن تستريح بمحلك على احترام ما سلف من خدمتك». فرجع لداره وتوفي أواخر رجب السنة 1222 أوائل أكتوبر 1807 م). وأولى عوضه سليمان كاهية الثاني لما ثبت عنده وعند الناس من صبره
وإقدامه وأنه يوم الهزيمة عرض نفسه للموت مراراً فدافع عنه الأجل. ولما سافرت هذه المحال لم يشك أحد في أخذهم قسنطينة، وأمر الله وراء ذلك. ولما بلغ الباي خبر الهزيمة قبل وصول المنهزمين وأن محلة الجزائر قادمة في أثرهم للحاضرة بقوتها وما ازداد لها من المدافع والخيل والإبل وغير ذلك من آلات محلة تونس، أصبح حزيناً خائفاً يترقب، فالتفت عليه رجال دولته. وأول من كلمه في ذلك أبو الثناء محمود بن بكار الجلولي، قال له:
الغنيمة هي
سلامتك، وما مضى فات واستقبل الأمر بالحزم والثبات.
أحمد بن أبي الضياف
إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان،
إخراج محمد شمام تونس 76 - 1979، ص ص 57 - 59
532