من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي ناصر الدين سعيدوني

من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٥٤٩

الموفى واحد وعشرين من الشهر المذكور ودام بعده إلى يوم الخميس فامتلأ السد بتكرر حملات الأودية والسيول حتى رجع ماء النهر الكبير صاعداً على عقبه بمسافة بعيدة تقرب من مشرع حسين فحينئذ تكسر نصف الليل وسمع ا له دوي كبير يوقظ النائم ويفزع اليقظان. ودفع مع مجراه الأصلي وانتشر يميناً وشمالاً وارتفع إلى أعلا شاهق وأكمة وخراب وأفسد طريق البابور البري حتى أوقف جريه وسفره، واستأنفوا له طريقاً مشيداً ودخل الماء مدينة باريق وأفسد ما فيها من السلع والحبوب وأخذ بعض الديار بأهلها وأما الأموات التي أخذها فرماها مفترقة حيث انتشر الماء في أرض سيرات وغالبها فيما يلي أرض الشراقة فمن رحمة الله سبحانه أن حكام الفرانسيس أمروا القياد أن يجمعوا الناس ويفتشوا على الأموات فمن لم يستره الرمال والحامول وجد ومن ستره لم يوجد إلا بعد أيام ومنهم من لم يوجد أصلاً. وجمعوا في مدينة باريق فمن كان له أهل حملوه ومن لم يكن له أهل أمر الحكام بدفنه وصار فساق المسلمين وظلمتهم يفتشون على الأموات ليأخذوا ما معهم من الثياب ونحوها ويتركونهم عراة ومن العجب أن امرأة شريفة الأصل والنسب من ذوات القدر والحسب بديعة الحسن والجمال فريدة العظمة، والجلال، من بنات قطب الأولياء الصالحين، وإمام الأتقياء والعارفين وطراز عصابة الأصفياء والخاشعين، السيد دح بن زرقة وجدها بعض من لا يراقب الله وبيديها منفاخ ذهباً وبإصبعها خاتم وبرجليها خلخال فلم يقدر على نزع ذلك لتورم أعضائها بالمياه فقطع يديها وإصبعها

ورجليها وأخذ الحلي بتمامه، وترك أطرافها مع جسدها وذهب لا أفلحه الله. وأقام الحكام بأكفان الأموات وغرمُوا قيمة كل ميت شيئاً من الدراهم جعلوه كالدية لا يفي بنصفها وغرمُوا لأهل ما أفسده الماء وأتلفه من الأرض وغيرها، وهذا النهر كثير الضرر والمصائب شديد البأس والغرائب فلا تؤمن غائلته وطولته ولا تنقطع غارته وصكته.

الشيخ أحمد بن عبد الرحمن الشقراني الراشدي القول الأوسط في أخبار بعض من حل بالمغرب الأوسط،

تحقيق وتقديم ناصر الدين سعيدوني

دار الغرب الإسلامي، بيروت 1991، ص ص 44 ـ 49

549