من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٥٥٨وبيان ذلك أن إدارة أحكام الشريعة، كما تتوقف على العلم بالنصوص
تتوقف على معرفة الأحوال التي تعتبر في تنزيل تلك النصوص، فالعالم إذا اختار العزلة والبعد عن أرباب السياسة فقد سد عن نفسه أبواب معرفة الأحوال المشار إليها، وفتح أبواب الجور للولاة، لأنهم إذا استعانوا به فامتنع صاروا يتصرفون بلا
نعم يعاب على العالم شرعاً وعقلاً التكلف في الدين، والتمحل في النصوص الظاهرة في خلاف ما أراد منها، وارتكاب الأقوال الضعيفة لموافقة الأهوية والأغراض، لا لأجل مصالح تتنزل منزلة الحاجة والضرورة، حتى ينقلب ذلك الضعيف قوياً.
وحيث كانت إدارة المصالح السياسية مما لا يتيسر لغالب الولاة إجراؤها على الأصول الشرعية لأسباب شتى يطول شرحها، وتقدمت الأدلة على ما يترتب على إبقاء تصرفاتهم بلا قيد من المضار الفادحة رأينا أن العلماء الهداة جديرون بالتبصر في سياسة أوطانهم، واعتبار الخلل الواقع في أحوالها الداخلية والخارجية، وإعانة أرباب السياسة بترتيب تنظيمات منسوجة على منوال الشريعة، معتبرين فيها من المصالح أحقها ومن المضار اللازمة أخفها، ملاحظين فيما يبنونه على الأصول الشرعية أو يلحقونه بفروعها المرعية. ذلك المقال الوجيز المنسوب لعمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بحسب ما أحدثوه من الفجور»، وما في معناه من أدلة أن الشريعة لا تنسخها تقلبات الدهور.
خير الدين باشا التونسي
أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تحقيق المنصف الشنوفي
منشورات بيت الحكمة تونس 1990، ص ص 175 - 176
558