من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٥٦٧من الصفوف كأنما تتعجل القتال فأمر الخليفة رحمه الله بالسكينة والوقار والسير بسير الناس.
ثم لما التقى الجمعان وانتشبت الحرب رصد العدو الخليفة وقصده بالرمي مرات عديدة حتى سقطت بنبة أمام حامل المظلة وجمح فرسه به وكاد يسقط، ولما رأى الخليفة ذلك غير زيه بأن أسقط المظلة ودعا بفرس كميت فركبه ولبس طيلساً آخر فاختفى حينئذ، وكان المسلمون قد أحسنوا دفاع العدو وصدموه صدمة قوية برقت لهم بها بارقة، وكانت خيلهم تنفر من صوت المدافع ولكنهم كانوا يقحمونها إقحاماً، وثبتوا في نحر العدو مقدار ساعة ولما التفتوا إلى جهة الخليفة ولم يروه بسبب تغير زيه خشعت نفوسهم وقال: المرجفون إن الخليفة قد هلك فماج الناس بعضهم في بعض وتسابق الشراردة إلى المحلة فعمدوا إلى الخباء الذي فيه المال فانتهبوه وتقاتلوا عليه وتبعهم غيرهم ممن كان الرعب قد ملك قلبه، وجعل الناس يتسللون حتى ظهر الفشل في الجيش من كل جهة، فتقدم بعض الحاشية إلى الخليفة وقال له يا مولانا إن الناس قد انهزموا وهم الآن بالمحلة يقتل بعضهم بعضاً ويسلب بعضهم بعضاً، فقال: يا سبحان الله! والتفت فرأى ما هاله من أمر الناس فرجع عوده على بدئه وانهزم من كان قد بقي معه عن آخرهم وتبعهم العدو الكور والطوبلي من غير فترة وثبت الله بعض الطبجية بالمحلة، ولكن سال الوادي فطمى على القرى ونفذ أمر الله ولم يهزم المسلمين كما رأيت، ولما استولى العدو على المحلة فَرَّ الذين كانوا بها وبقيت في يده بما فيها. وكانت مصيبة عظيمة وفجيعة كبيرة لم تفجع الدولة الشريفة بمثلها، وكان هذا الحادث العظيم في الساعة العاشرة من النهار منتصف شعبان سنة ستين ومائتين وألف. ولما المنهزمة تفرقوا شذر مذر وأهلك الناس العطش والجوع والتعب حتى: كان نساء يستلبنهم كيف شئن، وانتهى الخليفة إلى تازا فأقام بها أربعة أيام ريثما اجتمع إليه الرماة وضعاف الجيش ثم قدم فاساً. وكان السلطان رحمه الله قادماً من مراكش إلى فاس.
برمي
رجع
أبو العباس أحمد الناصري السلاوي،
كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى،
دار الكتاب الدار البيضاء 1956 الجزء التاسع، ص ص
آنکاد عرب
53 - 49
567