من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٦والمؤلفين البارزين ودرسوا الحركات السياسية والدينية والمذهبية استناداً إلى مصادر كانت مغيبة، كما نقلوا كثيراً من المخطوطات إلى مكتبات أوطانهم، ولكن ذلك كان لفائدة الأوربيين بالدرجة الأولى، ولم يتفطن أهل البلاد إلى أهمية التراث المكتوب إلا في أوقات لاحقة.
فمنذ حوالي ربع قرن فقط شهد الاهتمام بالتراث صحوة كبيرة على يد باحثين من أبناء المغرب والمشرق، فقد ساهموا في الكشف عن رجاله ومآثره وحققوا مصادره وصححوا أخطاءه، كما ساهمت في ذلك بعض المؤسسات العلمية كالجامعات ومراكز البحث وساهمت دار الغرب الإسلامي من جهتها في نشر من الآثار المحققة، فكان لها الفضل في التعريف بهذا التراث في المشرق
العديد
وفي العالم، إضافة إلى إذاعته بين أهل الغرب الإسلامي أنفسهم.
ولكن الكشف عن التراث ونشره شيء وتفسيره وفهمه فهماً جيداً شيء آخر، وعندما يلتقي العلم بالتراث وفهمه في ضوء ثقافة الجيل المعاصر يمكن أن يتحقق إنجاز عظيم، يؤدي إلى مساءلة الذات ويقظة الأمة.
والدكتور ناصر الدين سعيدوني يهدف بعمله هذا إلى تحقيق هذا الإنجاز، فهو باحث مُتَسَلّح بمعرفة واسعة في ميدان التراث العربي الإسلامي، ومنه التراث المغربي، وقد سبق له البحث في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والاهتمام بأدب الرحلات وطرق الحج، كما أن له خبرة عميقة في الجغرافية وعلاقتها بالتاريخ والعلوم الاجتماعية الأخرى، وهو يتمتع بنظرة ثاقبة لتطورات التاريخ وتعاور الأحداث، وأسباب ظهور وسقوط الدول، وازدهار وانقراض الحضارات. وبالإضافة إلى ذلك فهو كثير الأسفار والحضور في الملتقيات الدولية، وهو يتبادل الخبرات العلمية مع عدد من الباحثين العالميين.
وهذه الخصائص قلما تتجمع في باحث، واحد ولذا قلنا إن سعيدوني مؤهل ربما أكثر من غيره لإلقاء الضوء على سير مجموعة من أهل الفكر والثقافة الجغرافية والتاريخية في الغرب الإسلامي، بما في ذلك الأندلس وصقلية والمنطقة الواقعة بين النيل شرقاً والمحيط الأطلسي غرباً، وقد حدد منهجه في تناول سير من
6