من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي ناصر الدين سعيدوني

من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٦٠٤

أصبح محمد كبير العائلة بعد أن توفي الأمير عبد القادر في 24 ماي 1883. وأقر له بذلك بعض إخوته ونال امتيازات عديدة منها حصوله على ربع سنوي من 1400 فرنك، وقد ظل أثناء ذلك يتمتع بالسمعة الطيبة ويحظى

أوقاف أبيه يقدر ب بالمكانة المرموقة، حتى وافته المنية بإستانبول سنة 1331 هـ / 1913.

تحفظ

م.

عمل محمد بن عبد القادر جاهداً على إدماج الجزائريين المقيمين بالشام في الوسط الشامي والمحافظة على مكانتهم المميزة في إطار المواطنة العثمانية، وقد أدى هذا إلى فتور علاقته بأبيه الأمير، وأثناء ذلك أصبح سلوك محمد باشا مثار من طرف السلطة العثمانية. وتخوف من الممثلين الفرنسيين في الشام فقد رأوا فيه عائقاً لسياستهم الرامية إلى توفير الحماية الفرنسية للجزائريين المقيمين بالشرق بهدف تقوية نفوذ فرنسا في الدولة العثمانية، مع أن محمداً بن عبد القادر لم يبد أي عداء صريح للسياسة الفرنسية بالشام، ولعل هذا ما جعله محل رضا السلطان العثماني وساعده على المحافظة على صلاته بوالي دمشق، بل أهله أن ينال لقب باشا ومرتبة فريق بالجيش العثماني.

ظل محمد باشا بعيداً عن النشاط السياسي الذي ميز الوسط الشامي، فقد أتخذ موقفاً محافظاً من قضايا عصره متأثراً في ذلك بسلوك والده المتصوف. مفضلاً المحافظة على علاقته الحميمة بموظفي الدولة العثمانية، فلم يشارك في أي جمعية سياسية أو إصلاحية. غير أن ذلك لم يمنعه. من تجاوبه مع القضايا الوطنية أو تعاطفه مع أوضاع الجزائر المستعمرة ولم يبعده عن تفهم مرامي دعاة الحركة الإصلاحية والجامعة الإسلامية الذين تتبع أخبارهم وتعرف على البعض منهم في مجالس والده مثل محمد عبده ومحمد شامل الداغستاني.

لم يتلق محمد باشا في صغره تعليماً منظماً بالمدارس الحكومية لظروف حياته المضطربة، فأخذ مبادى دراسته الأولى أثناء إقامته مع أبيه بفرنسا على يد قريبه مصطفى بن التهامي. وواصل تعليمه غير المنظم بدمشق وانتفع خاصة بصحبة والده الذي أخذ عنه أولويات علم التوحيد والحديث والنحو، وسمع عنه الكثير من الأخبار، فكانت ثقافته بعيدة عن التخصص الدقيق أو الاطلاع الواسع، إذ كانت

604