العلاقات الخارجية للدولة الرستمية
الجزء ١ · صفحة ٢٨٦الأمور التي خضعت لها علاقة تاهرت بالسودان:
Fage
كان الشمال الافريقي قد أخذ يتأثر بالخضارة العباسية، في وقت كانت بلاد السودان تعاني من التخلف والجهل، أي أن هناك فارقا حضاريا بين الشمال والجنوب، مما يعني أن تأثر السودان بمسلمي شمال افريقيا كان أوسع من تأثيرهم فيهم، أو أنه كان هناك فيض حضاري من الشمال نحو الجنوب، ويؤكد فاج أن النفوذ الحضاري الذي دخل بلاد السودان من جهة الشمال، لم يکن تابعا لحضارة البحر المتوسط بقدر تبعيته الحقيقة للبربر (1)، وقد أسند لويكي T.Lewicki هذا النفوذ الى التجار الاباضيين بشكل رئيسي، ويبدو أنه تأثر بانتشار المذهب الاباضي الواسع، وبما ذكره المؤرخون من أسماء بعض التجار الاباضيين، الا أنه تجدر ملاحظة أن أسماء هؤلاء التجار قد وردت في مصادر اباضية أو متأثرة بها، من شأنها أن تهمل ذكر تجار المذاهب الأخرى، كذلك، فان المؤرخين من هذه المذاهب قد أهملوا الاشارة الى أسماء تجار من مذاهبهم ضمن اهمالهم الحياة الاقتصادية للمغرب الاسلامي بصفة عامة. وهذا لا يعني عدم، لأن هؤلاء وأولئك كانوا في الغالب من القبائل البربرية التي تعيش في
وجودهم،
أرض واحدة، في ظروف متشابهة الى حد ما، فليس ما يبرر قصر النشاط عبر الصحراء على الجماعات الاباضية، أو على ناحية معينة من المغرب، والأرجح أنه نشاط قام بفضل جهود جماعات مختلفة تنتمي الى قبائل ومذاهب مختلفة، بل ان انطلاق التجار من تاهرت لا يعني أنهم اباضيون مثلما أن انطلاقهم من سجلماسة لا يعني أنهم صفريون.
يفهم مما تقدم بخصوص الصحراء أنها كانت تمثل حاجزا طبيعيا بين الشمال والجنوب، وهي وان لم تحل دون اختراق التجار لها، الا أنها حدت من هذا الاختراق، ولم يكن يتمكن منه الا كل مغامر، وذو امكانيات عظيمة. وبطبيعة الحال، فان عددهم قليل اذا ما قيس بدرجة صلة التاهرتيين بحيرانهم في القيراون أو فاس، كذلك، فقد أثرت الصحراء على العلاقة العسكرية، فلم يذكر التاريخ أن فكر الرستميون بارسال حملة الى تلك البلاد، واذا قامت علاقة سياسية فهي
(1) فاج Fage موجز تاريخ افريقية، ص: 69.
- 286