النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ١٠5
وتتمثل أهم المشاكل ذات الطبيعة النظرية في نقص المراجع - خاصة الوطنية منها - حول موضوع هذا البحث، وأحيانا إنعدامها، إذ لم تنجز في بلادنا أية رسالة أكاديمية جامعية في القانون الدستوري أو العلوم السياسية حول النظم التقليدية بوادي مزاب، كما أن كافة البحوث و الدراسات التي أنجزت حتى الآن فى الفروع الأخرى، ركزت على النظم الدينية خاصة منها نظام حلقة العزابة، الذي لا يعد في الحقيقة إلا جزءا من هذه النظم، بينما تجاهلت بحث النظم العشائرية رغم أنها تكتسي أهمية سياسية كبيرة في المجتمع، وفي أحسن الأحوال مرت عليها مرا سريعا دون تعمق ودراسة لطبيعتها وقواعد سيرها. كما لا توجد من جهة أخرى أية دراسة أو
بحث من هذا القبيل حول نظام الشورى، رغم أن بلادنا دخلت عهد الديمقراطية منذ مدة معتبرة. ومن جهة أخرى فإن أهم الصعوبات التي يجدها الباحث في دراسة نظام الشورى، هو عدم وجود مؤلفات متخصصة في السياسة الشرعية القانون الدستوري. إذ يجب على الباحث حتى يستخلص القواعد الدستورية لهذا النظام التنقيب المجهد في كتب تفاسير القرءان الكريم والعقيدة
والفقه والتاريخ. وقد تم في هذا البحث إستخدام مختلف مبادئ مناهج البحث العلمي: ففي المبحث الأول من الفصل الثاني تم اللجوء إلى المنهج التحليلي لإستخلاص أهم أركان وأسس وأحكام نظام الشوري في الحكم إنطلاقا من المصادر النظرية للفكر السياسي الإسلامي، وإستخدم منهج تحليل المضمون بتحليل أهم النصوص الشرعية الواردة في شأن الشورى. أما في المبحث الثاني من نفس الفصل وفي الباب الثاني فقد كان الإعتماد على منهج دراسة الحالة ببحث أهم تطبيقات وتجسيدات نظام الشورى ومبادئ النظام القبلي في النظم العرفية المزابية بالإضافة إلى نظام الحكم بالدولة
الرستمية.
ونقصد بمصطلح النظم التقليدية، تلك النظم التي تحكم المجتمعات التقليدية القائمة على البنية العشائرية والسلطة الدينية، وهي تختلف عن المجتمعات المعاصرة للدول المصنعة من حيث البنية والخصائص والقيم السائدة، أما مصطلح العرفية فمفاده أن هذه النظم نشأت وتطورت عن طريق العرف، ولم ينشئها القانون أو يعترف لها بالشخصية القانونية.
العلمية
والمراد من هذا البحث الخروج عن الدراسات التقليدية المألوفة في القانون الدستوري والتي تقتصر على الدراسة النظرية البحتة للنصوص القانونية وتحليلها والتعليق عليها، إلى دراسة النظم والمؤسسات الفعلية التي يتجاهلها القانون والمرتبطة بالواقع الاجتماعي والسياسي للمجتمع، و هذا هو الإتجاه السائد في القانون الدستوري الحديث (1)، مع محاولة إلتزام قواعد الموضوعية والحياد النسبي، لأنه لا شك أن أي بحث لا يخلو من نقائص ولله الكمال. ونظرا إلى أن موضوع هذا البحث جديد، وأن البيئة المزابية غير معروفة لدى الباحثين فضلا عن غيرهم، فقد تم الحرص على توثيق كافة المعلومات التي تتصل بهذه النظم من قريب أو من بعيد وشرح مصطلحاتها بالهوامش حتى يساعد ذلك على فهم أكثر للشروط الموضوعية الإجتماعية والثقافية والدينية التي تقوم عليها، كما تم التمهيد لهذا البحث بمدخل للتعريف بإختصار بمنطقة وادي مزاب والمزابيين وتاريخهم ومذهبهم وفكرهم السياسي حتى يسهل الفهم الأكثر لموضوع البحث.
(1) أنظر: د. كمال الغالي: مبادئ القانون الدستوري، الطبعة الخامسة، دار العروبة للطباعة، دمشق،
1978، ص.11.10.
د. حسين عثمان: النظم السياسية والقانون الدستوري، الدار الجامعية، بيروت، 1989، ج (1) ص 14.