النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ٩4
و عليه وبناء على ما سبق يثور التساؤل حول إمكانية تصور نظام شوري ديمقراطي عصري يستمد أسسه ومبادئه الجوهرية من الشريعة الغراء من جهة، ويقتبس من جهة أخرى أساليبه وتنظيماته من نظام الديمقراطية الليبرالية مما لا يتعارض مع روح الشرع، وينسجم في نفس الوقت مع الواقع الإجتماعي والثقافي الجزائري، بأن يستفيد من أشكال التسيير الديمقراطي في النظم القبلية والدينية السائدة في المجتمعات التقليدية لترسيخ المبدإ الشوري الديمقراطي على مستوى الإدارة المحلية الإقليمية. ومن هنا فإن دراسة النظم العرفية الدينية والقبلية السائدة منذ حوالي ألف سنة بوادي مزاب يكتسي أهمية قصوى بما تمثله هذه النظم من تجربة ثرية وهامة في الحكم والتسيير، لأنها تشكلت عبر قرون من الزمن نتيجة تزاوج تطبيقات نظرية "الإمامة الشورية في حالة الكتمان حسب الفكر السياسي الإباضي، بنظام الديمقراطية العشائرية الأمازيغية، مع تطعيمها ببعض أساليب وأشكال الديمقراطية الليبرالية منذ تطبيق دستور 1989/ 02/23 مثل أسلوب الإقتراع العام السري وضبط الأغلبية بالتصويت … إلخ. وقد تولد عن إحتكاك هذه الأنظمة الثلاثة نموذجا خاصا يجمع والعصرنة، ويشمل - رغم نقائصه العديدة - على إيجابيات كل نظام، بحيث يكون فيه للهيئة الدينية سلطة واسعة في الإشراف والتوجيه العام للمجتمع، ويكون فيه للعشائر حرية في القيام بالأمور التنفيذية، وينتخب فيه ممثلي الشعب سواء في الهيئات القبلية العرفية أو في المجالس الشعبية الرسمية المحلية أو الوطنية وفقا لمبدإ التمثيل العشائري من جهة، وطبقا لأسلوب الإقتراع العام السري وقاعدة الأغلبية من جهة أخرى، وتعمل فيه المجالس الشعبية المحلية المنتخبة في إطار من التشاور والإنسجام التام مع الهيئات العرفية التمثيلية التي إنتخبتها. وعليه تكون إشكالية بحثنا هي إلى أي مدى تستطيع التجربة الشورية الديمقراطية في النظم العرفية المحلية بوادي مزاب، ومصادرها المادية، أن تساهم في تقديم نموذج لنظام شوري ديمقراطي نابع من الواقع الحضاري
بين
الأصالة
الجزائري؟.
:
ونحاول الإجابة على هذه الإشكالية من خلال ثلاث محاور أساسية وهي
أولا: التعريف بنظام الشورى الإسلامي، باعتباره مصد را جوهريا للنظم العرفية المزابية، وبأركانه، وأسسه، خاصة في الفكر السياسي الإباضي، وتحديد الفرق بينه وبين النظام الديمقراطي الغربي.
ثانيا: دراسة مظاهر وتطبيقات الشووى في نظام الحكم الرستمي، وأسس التنظيم القبلي – السياسي للمجتمع الأمازيغي، باعتبارهما مصدران ماديان لهذه النظم. ثالثا: بحث مظاهر وأشكال تطبيق نظام الشورى ومبادئ الديمقراطية العشائرية في النظم. العرفية بوادي مزاب، ودراسة أشكال التشاور والتفاعل بين هذه النظم والهيئات الرسمية.
??