النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ١٩٦192
الفرع الثاني: شورى التسيير
إذا كان الأيمة الرستميون الأوائل إنتخبوا طبقا لمبدإ شورى الإختيار، ثم ما لبث أن إستقر تقليد توريث الحكم في العائلة الرستمية منذ ولاية الإمام الثالث أفلح إبن عبد الوهاب، فهل طبق هؤلاء نظام الشورى في تسيير حكمهم وفي سياستهم للرعية؟ وما هي السوابق التاريخية التي تركوها في هذا المجال والتي أضحت مصدرا ماديا تاريخيا للأنظمة العرفية المزابية؟. للإجابة على هذا التساؤل نحاول إستقصاء المصادر التاريخية لإستكشاف القواعد الدستورية التي كان يقوم عليها نظام الحكم الرستمي خاصة في عهد الإمامين الأولين، وذلك فيما يلي:
أولا: الإمام عبد الرحمان بن رستم 160 هـ / 171 هـ. أجمعت المصادر التاريخية على أن مؤسس الدولة الرستمية عبد الرحمان بن رستم كان مثالا في التشاور والعدل مع الرعية، فكان لا يبرم أمرا إلا بمشورة جماعة "أهل الشورى". وأهم ماورد في هذا الصدد ما تناقلته المصادر التاريخية حول استشارة عبد الرحمان لاهل الشورى في شأن معونة أهل المشرق، ونحن نكتفى بهذه الواقعة لأنها النموذج الوحيد الذي يعطينا صورة واضحة وجلية عن طبيعة الحكم الرستمي في فترة الامام الأول عبد الرحمان. ونستعرضها في الأتي: (1)
(أ) الواقعة: استشارة عبد الرحمان في شأن معونة أهل المشرق إشتهر عبد الرحمان بن رستم بعد له في سياسته للرعية وحسن سيرته في الناس وتواضعه للضعفاء، فذاع صيته في الأفاق، وبلغ حتى المشرق العربي، فجمع له إياضية المشرق أموالا كبيرة، وبعثوها ليستعين بها الإباضية المغاربة في بناء دولتهم الناشئة، فلما وصلت الرسل التي تحمل الأمانة بلاد المغرب دخلوا "تيهرت " يبحثون عن الإمام عبد الرحمان فوجدوه فوق احدى السقوف يعمل بيديه، ويطين السقف وأحد العبيد يساعده ويناوله الطين، فاستأذنوا لمقابلته فأجابهم بالإيجاب والقوم ينظرون إليه وهم شاكون فيه هل هو صاحبهم أم لا حتى نزل عن سطحه إلى داره، فغسل ماكان بيده من اثر الطين، ثم توضأ وضوء الصلاة، فأذن للقوم فدخلوا عليه، فوجدوا رجلا جالسا على حصير فوقه جلد، وليس في بيته شيئا سوى وسادته التي ينام عليها
>>
(2) <<
فلما تحدثوا إليه عن مقصدهم، لم يجبهم على ما جاؤوا به، لأن القرار لا يرجع إليه، بل أوكل الأمر إلى جماعة الشورى لتنظر فيه وتتشاور حول أمر هذه الأموال وأين تصرف، أما
(1) أنظر حول هذه الحادثة: أبي زكريا: سير ص 84،83. ابن الصغير: تاريخ الأيمة ص 28. وما بعدها. الشماخي: سير ص 141،140. الدرجيني: طبقات، ج (1) ص 45. الباروني:
الأزهار الرياضية ج (2)
مان
91،87
(2) ابن الصغير: نفس المصدر، ص 92