النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ٢١٦212
الفرع الثاني: أشكال التسيير الديمقراطي في هذه المجتمعات:
إن التنظيم القبلي في المجتمعات الأمازيغية كما استعرضناه آنفا، يسمح بتحقيق ثلاثة مبادئ تعد في رأينا من المبادئ الجوهرية للنظام الديمقراطي، لأنها تؤدي إلى تحقيق غاية الديمقراطية، وهي مشاركة الشعب في تسيير شؤونه بنفسه أو بوساطة ممثليه. ونتناول هذه المبادئ فيما يلي:
أ) مبدأ النيابة الشعبية: إذا كانت الديمقراطية النيابية تعني تفويض سلطة الشعب إلى السلطة بإسمه، فإن المجالس العرفية التي تتولى السلطة عة من الأشخاص، يختارهم ليمارسو مجمو
في المجتمع التقليدي القبلي الأمازيغي، تنتخب من طرف الرأي العام وتضم ممثلي كافة الجماعات لتمارس السلطة نيابة عنها. تاجماعت" عند القبائل يجب أن تتضمن كافة ممثلي "إذرما"، وجماعة الضمان في مزاب يجب أن تشمل ممثلي كافة العشائر، وهذا يتطابق تمام المطابقة مع فكرة النيابة في المجالس الشعبية المحلية المعروفة في الدول الحديثة، والتي تهدف إلى إشراك المواطنين في إدارة شؤونهم المحلية، بواسطة هيئة نيابية يختارونها، فهذه المجالس العرفية القبلية التمثيلية تنبثق من القاعدة الشعبية ولا تعين من طرف سلطة وصية، ولذلك فهي تعبر عن الإرادة الشعبية لا سيما إذا شارك أغلبية الأفراد في إختيار أعضائها بطريقة حرة وديمقراطية.
عنها،
ب) مبدأ القيادة الجماعية: إن الديمقراطية تقتضي عدم تركيز كافة السلطات في يد شخص واحد، كما تستلزم المشاورة المستمرة على كافة المستويات قبل إصدار القرارات الهامة والمصيرية، وهذا ما نجده في المجتمعات الأمازيغية التقليدية منذ القديم، حيث أن السلطة لا تكون مركزة في يد شخص واحد يكون له النفوذ المطلق على جميع الأفراد، بل أنها تتوزع على مجموعة من المجالس التمثيلة المرتبطة بالبنية الإجتماعية إبتداءا من العائلة الموسعة وإنتهاءا بالكونفدرالية. ورؤساء المجالس لا تكون لهم غالبا إلا سلطة إسمية، لأنهم ليسوا إلا منفذين للقرارات الجماعية التي تصدر وكل ممثل في المجلس يدافع عن مصالح مجموعته ويحميها من أي إستبداد أو مس بحريتها. ففي المغرب تتكون "ثاجماعت" من كافة ممثلي "إغوساس"، و "أمغار" الذي يرأسها ليست له إلا سلطة محدودة على هؤلاء الممثلين (1)، كما هو الحال بالنسبة "للحاكم" بمنطقة مزاب (2)، و"لمين" بمنطقة القبائل (3). كما أن القرارات لا تتخذ في "تاجماعت" إلا بعد مناقشة حرة وديمقراطية من طرف الأعضاء، ولا تصدر إلا بإجماع كافة الأعضاء، وإذا لم يحصل الإجماع بأن عارضت أقلية منهم قرارا معينا - خاصة إذا كان لها نفوذا وقوة - فإن القرار يجمد، ويحاول كل الفريقين إقناع الآخر في نفس اليوم أو اليوم الموالي، وقد يدوم النقاش أياما طويلة وقد لا يخرج بنتيجة فتؤخر
P. ANGE KOLLER: essais sur l'esprit du berbere Marocain، 2 eme ed. edition franciscaines FRIBOURG، 1949، P. 135 (1) M. VILLE: exploration geologique du BENI-MZAB du Sahara، imprimerie Nationale، Paris 1872، P 83 (2) MASQUERAY la formation des cites. P. 251 (3)
كنزي وآخرون: تاجماعت القلعة. . ص 52.