النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ٢٢٧223
وتعد هذه الهيئات بمثابة درجات علمية يرتقي فيها الشخص وفق شروط علمية وأخلاقية صارمة ليصل في النهاية إلى مرتبة إعزابن، لكنها تعد في نفس الوقت مراكز سياسية، إذ كلما إزداد الشخص علما بالشريعة الإسلامية والفقه الإباضي كلما أوكل له المجتمع سلطات أوسع في التوجيه والإشراف العام والقيام بوظيفة الأمر والنهي، حتى يتمكن من تجسيد علمه على أرض الواقع، وعليه ففئة الطلبة تتولى بالإضافة إلى وظيفتها الدينية البحتة المتعلقة بتسيير المسجد والقيام بأمر العبادات، مظاهر السلطة في المجتمع، وتستمد شرعية سطلتها من الشعب إعتمادا على مبادئ الشرع، على إعتبار أن الأفراد فوضوا لها سلطة القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة على المذهب الإباضي وتجسيد مبادئه في المجتمع.
ويشكل الطلبة بمختلف درجاتهم فئة إجتماعية وسياسية متميزة بتقاليدها وقوانينها (1)، ورغم أن هذه الفئة تملك سلطات واسعة في المجتمع إلا أنها لا تتمتع بأية إمتيازات مادية أو شخصية، بل بالعكس من ذلك يخضع أعضاؤها خاصة منهم "إعزابن إلى قواعد صارمة في سلوكهم ومعاملاتهم تقيد الكثير من حرياتهم، حتى يسلكوا سبيل العدل والشورى ويطهروا أنفسهم من مشاغل الدنيا للتفرغ لخدمة المصلحة العامة، وليكونوا قدوة المجتمع المثالية، ويجسدوا الإمامة العادلة" التي يناشدها الإباضية (2).
وإذا كانت الهيئات الدينية العرفية المزابية تمثل تجسيدا لنظرية الإمامة عند الإباضية فما هي أشكال وتطبيقات نظرية الشورى في تشكيل هذه الهيئات وتسييرها؟.
المطلب الأول: هيئة العزابة
تعد حلقة العزابة أعلى مرتبة من مراتب الطلبة ورجال الدين، وتمثل هيئة سياسية ودينية عليا تحتل مركزا هاما في المجتمع المزابي، لكونها تعتبر تجسيدا للإمامة الإباضية في حالة الكتمان، واعتبارا لذلك فما هي مظاهر تطبيق المبدإ الشورى الديمقراطي في تشكيل هذه الهيئة وفي تسييرها لأمور المجتمع؟.
وقبل محاولة الإجابة على ذلك يجدر بنا تعريف هذه الهيئة واستعراض تركيبتها بإختصار
فيما يلي:
(1) كان الطلبة في القديم يسكنون في الأحياء العليا للمدينة وتتجمع ديارهم حول المسجد: أنظر
MERCIER la civilisation urbaine au MZAB.P. 197. AMAT : le Mzab. P. 159
أما في الوقت الحاضر فليس للطلبة حتى خاص بهم، وإنما يسكن هؤلاء كغيرهم بمختلف أحياء المدينة. (2) لفئة الطلبة قانون صارم يحكم سلوكهم يجعل منهم أهل العبادة والعزلة عن متاع الدنيا والتنسك، أنظر:
MASQUERAY : chronique d'Abou Zakaria. P. 177
AMAT: op. cit. P. 159