النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب عبد الله نوح

النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب

الجزء ١ · صفحة ٢٥٩

255

إلزاميا على الشيخ (1)، خاصة إذا حاز على موافقة أكثرية أعضاء الحلقة، وعليه فإن الشيخ ملزم بإستشارة مجلس الأربعة الكبار في كل الأعمال والتصرفات التي يقوم بها في إطار إختصاصاته (2) كما أن سلطات وصلاحيات هيئة العزابة لا تتركز في يد الشيخ وإنما تتوزع بين الأعضاء كل حسب مهامه ومسؤولياته، بحيث يتمتع كل منهم بسلطة تقديرية في تأدية هذه المهام، تحت إشراف الشيخ ومراقبة الأعضاء الآخرين في الحلقة. وقد يفوض الشيخ العديد من صلاحياته للأعضاء الآخرين خاصة منهم الأربعة الكبار، مثل الإمام والمؤذن ووكيل الأوقاف. ولا شك أن هذه الطبيعة التي تتميز بها هيئة العزابة هي تجسيد للمبدا الشوري الديمقراطي الذي يقضي بعدم تركيز السلطة في يد حاكم مستبد بل جعلها شورى بين أولى الأمر" من علماء الدين.

عليه

ويعد نظام العزابة تطورا لنظام الإمامة الرستمية بتيهرت، فالإمام في الدولة الرستمية وإن كان يستعين في حكمه بمجلس شوري يتكون من الفقهاء الإباضية، إلا أنه لا يرتبط هيكليا بهذا المجلس، ولم يحدث أن عزل مجلس الشورى أحد الأيمة الرستميين، بحيث يعتبر الإمام الحاكم الأعلى الذي يتولى السلطة التنفيذية بمساعدة القبائل واستشارة الفقهاء، أما شيخ العزابة فيرتبط هيكليا ووظيفيا بمجلس العزابة، ويعتبر عضوا من أعضائه وهو يمارس وظائفه بإستشارته ومساعدته، بل إن المجلس يملك توقيع العقوبات التأديبية، وعزله وإقصائه كغيره من الأعضاء. ذلك أن هيئة العلماء والفقهاء المستشارين للإمام في تيهرت لم تكن عبارة عن مؤسسة دستورية منظمة ومهيكلة ونافذة بالشكل الذي أصبحت عليه حلقة العزابة في المدينة المزابية، فالعزابة لا يمثلون هيئة إستشارية فحسب، وإنما يشكلون هيئة سياسية منفردة بتقاليدها وقوانينها ونظمها تتمتع بسلطة نافذة للشيخ وتتقاسم مع الشيخ وظائف السلطة في المجتمع، كما يشكلون قيادة جماعية تصدر قراراتها بالإجماع أو الأغلبية وفقا للنظام الشوري الديمقراطي. ولا شك أن المزابيين قد إستفادوا من تجربة الحكم الرستمي في هذا الصدد، حيث أصبحت في أواخر أيام هذه الدولة الهيئة التنفيذية المتمثلة في الإمام والقبائل المساندة له تتمتع بالسلطة المطلقة، ولم يعد لهيئة الفقهاء والعلماء الإباضية والشراة، إلا دورا ثانويا في السياسة وفي تسيير نظام الحكم، مما أدى إلى إحياء الصراعات القبلية على السلطة، القائمة على إعتبارات مصلحية دنيوية، وعليه فقد أراد الفقهاء المزابيون أن تكون السلطة شورى بين الفقهاء ورجال الدين وليست مركزة في يد شخص واحد، ولا أن تكون لأصحاب المصالح الدنيوية، ونبين مدى تجسيد مبدأ لا مركزية السلطة في حلقة العزابة من خلال إستعراضنا لاختصاصات كل عضو من أعضائها في الآتي:

(أ) إختصاصات شيخ العزابة: كان الشيخ في القديم يتولى بمساعدة الحلقة كافة سلطات الإمام في حالة الظهور، ومنذ الاحتلال الفرنسي فقد تقلصت سلطات الشيخ و انحصرت في الوظيفة الدينية

LEWICKI : Art. "HALKA". P. 101 (1)

(2) خليفات: النظم الإجتماعية. ص 35.