النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ٧المقدمة
2
عرفت الدولة الجزائرية منذ إسترجاع الإستقلال الوطني نموذجين من الأنظمة السياسية وهما: نظام الديمقراطية الشعبية القائم على الواحدية السياسية، ونظام الديمقراطية الليبرالية القائم على مبدإ التعددية السياسية، غير أن هذا الأخير مازالت ركائزه لم تثبت ومبادئه لم تتجسد فعلا في الواقع العملي، وهذا يعود إلى غياب الشروط الموضوعية السياسية الإجتماعية والإقتصادية التي ترتبط بالنظام الديمقراطي الغربي وتضمن نجاحه ذلك أن هذا النظام الذي أثبت نجاحه إلى حدما في الدول الغربية، لم يضبط بشكل كافي مع الواقع الإجتماعي السياسي للمجتمع الجزائري، الذي يعيش "أزمة هوية حقيقية، بل إتخذ كغيره من الحلول الجاهزة كنموذج مثالي يقتدى به دون الأخذ بعين الإعتبار للعناصر التي تشكل الخصوصية الحضارية للشعب الجزائري. لأنه من المعلوم أن أي نظام سياسي لا تكون له لدى الشعب مصداقية إلا إذا كان منسجما مع الواقع الإجتماعي الثقافي لذلك الشعب، مستندا إلى الفلسفة التي يؤمن بها. وعليه فإن التحول النوعي الذي عرفه النظام السياسي الجزائري إلى المنوذج الديمقراطي الليبرالي بموجب دستور 1989/ 02/23 والقوانين اللاحقة له والذي كان يستهدف وضع نظام سياسي ديمقراطي تعددي على المنوال الغربي، لم يلبث أن إصصدام بواقع حضاري - لم يؤخذ في الحسبان من طرف المشرع - تتجلى أهم مظاهره في عاملين جوهريين هما:
أولا: وجود نظام موازي للنظام الديمقراطي في الإسلام - دين غالبية الشعب ـ وهو نظام الشورى الذي يعتبره فقهاء الدين ورجال السياسة الشرعية والعديد من كتاب القانون الدستوري المسلمين كبديل للنظام الديمقراطي الغربي، بل ويرون أنه بديل أصيل وأكثر ملائمة وإنسجاما مع واقعنا الحضاري، لأنه نابع من إحدى الثوابت الأساسية التي يؤمن بها المجتمع وهو الدين الإسلامي الذي يعد أيضا دين الدولة طبقا للمادة 02 من دستور 1989/ 02/23، بينما يعتبرون بالمقابل النظام الديمقراطي الغربي - بغض النظر عن فوائده - وليد بيئة حضارية غربية بل مخالفة جذريا لبيئتنا عقائديا وإجتماعيا وثقافيا. وقد أثار هذا الواقع جدلا كبيرا بين فقهاء السياسة الشرعية والقانوني الدستوري حول طبيعة نظام الشوري ومدى تطابقه الكامل أو النسبي مع النظام الديمقراطي الغربي أو مخالفته المطلقة له، نتج عنه بروز عدة مدارس وآراء وإتجاهات لم تنته بعد إلى رأي غالب يمكن أن يشكل خلاصة ونتيجة للا طروحات المتناقضة ويفصل في هذا
الجدل.
سوى
مبادئ
غير أن الباحث لنظام الشورى في الإسلام يجد أن هذا النظام لا يزال رغم أهميته وأراء متفرقة ونظريات عامة لم تعرف تطبيقها إلا في فترة الخلفاء الراشدين وبعض الحكام العادلين، إذ بات النظام الملكي الوراثي الذي يتمتع فيه الخليفة بسلطات شبه مطلقة هو النموذج والغالب في التاريخ الإسلامي والمعترف بشرعيته من طرف العديد من الفقهاء، على أن الفكر السياسي الإباضي الذي لم يحظ حتى الآن بالدراسة الوافية والإهتمام الكافي من قبل الباحثين - يتضمن في الواقع مبادئ وأسس ونظريات هامة يمكن أن تساهم بلا
السائد