النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب عبد الله نوح

النظم التقليدية العرفية بوادي مزاب

الجزء ١ · صفحة ٨

3

شك

في بلورة نظام الشورى وإثرائه ليشكل نظاما قائما بذاته، وهو ما يعرف بنظرية "الإمامة الشورية"، وذلك لأن الإباضية كانوا - بالإضافة إلى الخوارج - بمثابة المعارضة الديمقراطية الشورية للأنظمة الملكية الوراثية عبر التاريخ الإسلامي سواء في المشرق العربي أو في شمال إفريقيا.

وعليه فإن كلا من السوابق الدستورية لتطبيق الشورى إبان حكم الخلفاء الراشدين ونظرية الإمامة الشورية عند الإباضية وتطبيقاتها في الدولة الرستمية الجزائرية أو في النظم العرفية بوادي مزاب، يمكن أن تشكلان لبنات أساسية تحتاج إلى كثير من البحث والإثراء والإجتهاد لصياغتها في قالب نظام دستوري متكامل يكون صالحا للتطبيق حسب الظروف الموضوعية للمجتمع الجزائري.

وبما أن الفارق الجوهري الذي يميز النظام الديمقراطي الغربي عن النظام الشوري هو كونه يقوم على مبدإ السيادة المطلقة للإرادة الشعبية، فإن الشورى تعرف أنها نظام تكون في سيادة الشعب مقيدة بالسيادة الإلاهية، بمعنى إشراك الشعب في حكم نفسه بنفسه وإعطائه حق التقرير في أموره الهامة والمصيرية وفقا لمبدإ الأغلبية مالم يكن في ذلك تعارضا مع الشرع، وبالتالي فإن نظام الشورى هو ديمقراطية محدودة بحدود الشريعة، أو هي حكم الشعب نفسه بنفسه في حدود

الشرع.

ثانيا: إن قسما كبيرا من المجتمع الجزائري في الأرياف والصحراء، يخضع للتنظيم القبلي التقليدي خاصة في مناطق الأوراس ووادي مزاب والقبائل والهقار. وهذا التنظيم القبلي الذي يضرب جذوره في أعماق التاريخ الأمازيغي للجزائر لا ينحصر في البنية الإجتماعية النسبية للسكان فحسب، بل يشكل في الوقت ذاته - منذ القدم - تنظيم دستوري وسياسي يتضمن عة من الهيئات التمثيلية التي تمارس السلطة التقليدية في المجتمع. وقد أظهر هذا التنظيم قوته و فعاليته وتأثيره أمام الهيئات السياسية والتنظيمية الرسمية التي لم تستطع أن تكون بديلا تنظيميا لا منازع له للسكان.

مجمو

هذا النظام القبلي المرتبط بالبنية الاجتماعية للأفراد وبمشاعر هم وتاريخهم وثقافتهم، لا يمكن إعتباره بأي حال من الأحوال عاملا معرقلا لإرساء النظام الديمقراطي، بل بالعكس من ذلك يمكن أن يشكل بديلا" "محليا" لتجسيد المبدإ الديمقراطي ليس في شكله الغربي المعروف، بل في طابع أصيل نابع من الواقع الإجتماعي الحضاري الجزائري. ذلك أن هذا النظام يقوم على جملة من القواعد الدستورية التي تنظم ممارسة السلطة التقليدية في المجتمع بواسطة هيئات قيادية جماعية تمثيلية لكافة أقسام السكان تتخذ قراراتها عن طريق التشاور والمداولة الحرة، وفقا للأغلبية أو الإجماع في إطار جملة من المبادئ والقيم العامة المتفق عليها. وهذه هي نفس القواعد التي يقوم عليها النظام الشوري الديمقراطي المحدود بحدود الشريعة، مما يؤهله نتيجة لذلك لأن يشكل نموذجا للتسيير الديمقراطي على مستوى الإدراة المحلية، وهو ما سميناه بـ: الديمقراطية العشائرية. وتعتبر النظم العشائرية العرفية السائدة في وادي مزاب مثالا صادقا لهذا النموذج يحتاج إلى كثير من الدراسة والبحث لبلورته وإستخلاص إيجابياته وفوائده في تجسيد المبدا الديمقراطي على المستوى المحلي.

??