الشيخ نور الدين السالمي حياته وآثاره ومواقفه الإصلاحية والسياسية
الجزء ١ · صفحة ١٩٧توطئة
رأينا في بداية البحث جانبا من الوَضْعِيَّة الدِّينِيَّة وَالاِجْتِمَاعِيَّة والسَّيَاسِيَّة في عمان في عصر السالمي، وهي أوضاع سَيِّئَة للغاية: اضطرابات سياسية واجتِمَاعِيَّة، دَاخِليَّة وخارجيَّة، افتراق وتشتت في صفوف العمانيين، انتشار للبدع والانحرافات … أمور تدفعنا إلى التساؤل عن موقف السالمي منها: هل عمل على إصلاحها؟ هل تأثر بها؟ وهل أثر فيها؟ وإذا أثر فكيف كان ذلك؟ وما هي الطرق التي اتبعها، والوسائل التي استعملها، والبدائل التي طرحها؟ …
يقول الشيخ سليمان بن محمد بن نور الدين السالمي، بعد أن استعرض جانبا من تلك الوضعية: فانطلق يعالجها بثقافته الإسلامية الواسعة، وحسن فقهه للدين، وبحسه المرهف، وإخلاصه الشديد، وخبرته التي دونها كل عاطفة من عواطفه فعالجها بعمله الدائب ونضاله المستمر، في جميع الميادين السياسية والفكرية والاجتماعية بحماسة نادرة وجرأة لا تعرف حدا، وإخلاص شديد، وصدق واضح، وصراحة لا تعرف المجاملة» (1). قد لا يكون هَذَا الكلام الصادر من حفيد السالمي مقنعا بالمنظور العلمي، ما لم يدعم بوثائق تاريخية، وبشواهد من المواقف التي سجلها السالمي بنفسه في مُؤلّفاته، أو شهد بها من عاصره، وهو ما سنحاول القيام به في هذا البحث.
في البداية تجدر الإشارة إلى أنَّه يصعب التفريق بين موقف سياسي وموقف ديني. عند السالمي، فَإِنَّ الدين هو المنطلق والمحرك لأي إصلاح مهما كان نوعه، وَهُوَ المصب والغاية من كُلِّ إصلاح؛ فإصلاح الأوضاع السياسية والاجتِمَاعِيَّة من صميم الدين والدين - إذا تم تطبيقه بشموليته فَإِنَّهُ ولا شَكٍّ يخدم الحياة بكل نواحيها السياسية والاقتصادية والاجتماعِيَّة والثَّقَافِيَّة والتربوية … فالسالمي إذا حرَّض عَلَى نبذ الذل والهوان، فَإنه يربط ذَلِكَ بالمقصد الأسمى وَهُوَ خدمة الدين، وبحسن المآل وَهُوَ نيل الشهادة، والفوز برضوان الله. ويرى أنَّ أيَّ تصحيح للأوضاع لا يكون إلا بالتقوى، وهي رأس كُل حكمة، وسرُّ النجاح والفلاح، للراعي والرعيَّة، فهي تمنع صاحبها من الوقوع في المعاصي، من ظلم النفس أو الغير، أو الإفساد في الأرض … وقد ربط القرآن الكريم كثيرا من الأوامر والنواهي بالتقوى، منها قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْرِ مَنكُمْ شَعَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (المائدة: 8).
(1) كلمة الشيخ سليمان السالمي في ندوة المنتدى الأدبي حول السالمي قراءات ص 14. تقديم سليمان السالمي لروض البيان، ص:
- 197 -
Document
téléchargé
depuis www.pnst.cerist.dz
CERIST