الشيخ نور الدين السالمي حياته وآثاره ومواقفه الإصلاحية والسياسية
الجزء ١ · صفحة ٢٩٩الخاتمة
عاش السالمي في بيئة كانت تعج بالاضطرابات: ضغط سياسي إنجليزي على حكام عمان، وإسقاط لنظام الإمامة، وملاحقة أتباعها، وفساد في الحكم السلطاني، وضغط على الرعية، وأزمات اجتماعية واقتصادية متلاحقة، وجمود فكري، وفساد في العقيدة والخلق … ويريد الله أن يولد الشيخ في أسرة هزتها مصائب مادية، ويتعلم على يد مشايخ يولونه بالرعاية والاهتمام، ويتكبد في طلب العلم مشاق الرحلات بين بلدان عمان، ويكون لأساتذته دور كبير في توجهه السياسي.
بعد مرحلة التعلم، شرع في التدريس في وقت مبكر، وتخرج على يديه جملة من التلاميذ، صار لهم دور كبير في المجتمع سياسة وقضاء وفتوى وأدبا وحركية، وصار أغلبهم أركانا في دولة الإمامة الجديدة. كما بدأ التأليف وهو لا يتجاوز الواحدة والعشرين من عمره، وتخطى حواجز عصر الانحطاط، إذ رأى أن التأليف والإبداع ضرورة يحتمها الواقع الثقافي والاجتماعي؛ وترك إنتاجا غزيرا، في العقيدة والحديث والأصول والفقه والأدب والتاريخ والإصلاح، وتدرّج في التأليف تدرجا سنيا، وقد تميز إنتاجه بما يأتي: (1) التنوع والتخصص: إذ ألف في عِدَّة فنون وخصص لِكُلِّ من كتابا مستقلاً، الأمر الذي لم يكن مألوفا لدى أغلب العمانيين، إذ كانوا يجمعون عدة فنون في كتاب واحد.
(2) تنوع دوافع التأليف من مُؤلّف لآخر إلى ذاتية، وموضوعية، وظرفية. 3) الالتزام إلى حد بعيد بالمنهج العلمي في تعامله مع المصادر، باعتماده على أُمهات الكتب والتحلي بالأمانة وبالمنهجية العلمية في كثير من تأليفه، وفي تحقيقه للنصوص. (4) الاحترام والمناقشة العِلمِيَّة الرصينة عُمُومًا في تعامله مع رأي الآخر، وقد يحتد النقاش ـ خاصة في قضايا أصول الدين ليخرج إلى الحجة الخطابية القاسية أحيانا.
(5) الاجتهاد وعدم التقليد، ولا فرق لديه بين عالم وآخر إلا بقُوَّة الدليل والبرهان.
(6) استخدام الشعر والنظم وسيلة لنشر أفكاره، في بيئة تفتقر إلى وسائل الإعلام الحديثة. (7) عدم الاستفادة من العلوم الحديثة في عصره، والاكتفاء بآراء القدامى قد ينقضها العلم الحديث. 8) سلاسة أسلوبه، وسهولة معانيه، وتدرجه بساطة وعمقا، حسب مستوى القارئ الذي يوجه إِلَيْهِ مؤلفه. 9) الترتيب المنطقي للأفكار والأبواب، الأمر الذي تفتقر إليه كثير من المؤلفات العمانية السابقة. إلى جانب دور السالمي في التأليف، كان له دور بارز في الإصلاح الديني والاجتماعي، وقد تمثل فيما يأتي:
- 299 -
Document
téléchargé
depuis www.pnst.cerist.dz
CERIST