الشيخ نور الدين السالمي: حياته وآثاره ومواقفه الإصلاحية والسياسية مصطفى بن محمد شريفي

الشيخ نور الدين السالمي حياته وآثاره ومواقفه الإصلاحية والسياسية

الجزء ١ · صفحة ٦

مقدمة

الحمد الله القائل: {وَمَنَ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنِّنِي مِنَ الدعاة، مبلغ الرسالة، ومؤدّي الأمانة، وناصح الأمة، المُسلِمِينَ) (فصلت: 33)، والصلاة والسلام على خير

والمجاهد في الله مُحَمَّد بن عبد الله

وبعد:

إنَّ الصراع بين الحق والباطل صراع دائم منذ خلق الله بني آدم وجعلهم خلفاء في الأرض، وقال: ﴿يَابَنِي عَادَمَ إِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ، عَايَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الأعراف: 35)، ولكن ما لبثة البَشَرِيَّة أن نسيت دورها في هَذهِ الحياة، فكانت الأهواء تستولي عَلَيْها من حين إلى حين، وتنغمس بها في حمأة الرذيلة، وشاء الله أن لا يتركها على ضلالها، بل بعث إليها في كُلِّ عصر محددين، ورُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) (النساء: 165)، يدعون الناس إلى إصلاح الفساد، وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رَبِّ العباد، وتتابع المصلحون لِكُلِّ قوم ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمُ، أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} (المؤمنون: 44)، إلى أن توجت الرسالات بخاتم الأنبياء والمرسلين، إمام المصلحين والمجدّدين: محمد النبي الأمين، فكان رحمة للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنباء: 107).

ولم يمت رَسُول الله الله إلا بعد أن اكتملت الديانة، وترك خلفاء يحملون مشعل الرسالة، وعلماء يبلغون أمانة الدعوة، ويحيون للناس أمر دينهم. ولَمَّا كانوا واعين بدورهم ورسالتهم التي كلفهم الله بها، باعتبارهم ورثة الأنبياء، عرف المسلمون حضارة راقية متميّزة. وَلَكِن لَمَّا تقلص هذا الدور وانحصر في المسائل النظَرِيَّة، دون المساس بالحياة العملية، ودون تفعيل للدين ليكون منهج حياة، أخذ العالم الإسلامي يتراجع عن مكانته الريادية، إلى أن بلغ في القرن الثالث عشر الهجري التاسع عشر الميلادي أقصى دركات الانحطاط في جميع الأصعدة. فصار الدين طقوسا ودروشة صوفية، وتشتتا وصراعات مذهبية، وبدعا وخرافات شيطانية. وأصبحت السياسة تقاتلا على الحميَّة الجَاهِلِيَّة والسلطة ظلما واستبدادا على الرعية، وصار منصب الحاكم ”مقدسا“ لا يجوز المساس به مهما طغى وتجبر. وأصبح العالم هو الذي يحفظ المتون والأراجيز، ويتقن الأساليب الجدلية اللفظية، ويقلّد - ولو دون فهم - أقوال الفقهاء والمتكلمين، أو هو المتعالم ويمد يده متسولا، لالتقاط الفتات من موائد الحكام والأغنياء؛ وإذا خرج عن هذا النطاق، ورفع رأسه ومَسَّ السياسة سُمِّيَ خارجيًا متمردا، وإذا سعى للاجتهاد والتجديد اعتبر متهتكا وشادا. والشعوب

الذي ينحني

- 6 -

Document

téléchargé

depuis www.pnst.cerist.dz

CERIST