العمارة الدفاعية في منطقة وادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ٤٠المدخل
اهتمت الأمم والمجتمعات البشرية منذ القديم على أن توفّر لنفسها جانبا هاما في حياتها، المتمثل في الأمن والاستقرار، والذي بدونهما لا يمكن لأي مجتمع أن ينمو ويتطوّر أو ينعم بحياة الهدوء. وبعد أن أدرك الإنسان ما لهذا الجانب من الأهمية زوّد تجمعاته من مدينة وقرية بوسائل تضمن له حدًا أدنى من الأمن والاستقرار. وقد ذكر ابن خلدون أنه لما كانت المدينة للقرار والمأوى وجب أن يُراعى فيه دفع المضار بالحماية من طوارقها، وجلب المنافع، وتسهيل المرافق لها. فأما الحماية من المضارّ، فيُراعى لها أن يُدار على منازلها جميع جميعا سياج الأسوار، وأن يكون وضع ذلك في ممتنع من الأمكنة إما على هضبة متوعرة من الجبل، وإما باستدارة بحر أو نهر بها» (1).
وقد عمل المسلمون بتزويد مدنهم الجديدة أو التي وسعوها ودفعوا بعجلة نموها مشرقا ومغربا بجملة من المرافق ذات الغرض الدفاعي المتمثل في سياج الأسوار والخندق، وحصنوا مداخلها. ولم يكتفوا بتحصين المدن بل وجهوا عنايتهم إلى حماية الثغور وتخوم الدولة بإنشاء سلسلة من الحصون والربط (2).
وفي بلاد المغرب كانت معظم المدن محاطة بالأسوار المدعمة بأبراج المراقبة والدفاع، بعد أن يُختار لها موقعا استراتيجيا يسهل من عمليّة الردّ على أي هجوم خارجي، كما زوّدوا مدنهم بمداخل تذكارية محصنة (3). وقد أسهب الرحالة والجغرافيون في وصف هذه المدن والتجمعات وركزوا في بعض الأحيان على هذا المظهر العمراني الهام، جانب التحصينات).
(1) ابن خلدون (عبد الرحمن المصدر السابق، ج 1 (المقدمة)، ص 617. (2) اليسيف (نيكيتا)، المدينة الإسلامية، التخطيط المادّي، ترجمة أحمد محمّد تعلب السيكومور / فجـ فجر،
اليونسكو، 1983، ص 97.
R. Bourouiba، L'architecture militaire de l'Algérie médiévale، office des publications universitaires، (3) l'Algérie، 1983، Deuxième partie، pp. 44 - 124.
(4) أمثال اليعقوبي (القرن 3 هـ / 9 م)؛ ابن حوقل (القرن 4 هـ / 10 م؛ البكري القرن 5 هـ/11 م) وغيرهم.
- 30 -