العمارة الدفاعية في منطقة وادي مزاب يحيى بن عيسى بوراس

العمارة الدفاعية في منطقة وادي مزاب

الجزء ١ · صفحة ٤٢

:أولا اختيار موقع قصور مزاب.

إنّ في اختيار قبائل بني مزاب لهذه المنطقة التي تبعد عن الحواضر، الموغلة في القف والصعبة المسالك، وتخطيط قصورهم على تلال صخرية ليُعتبر وحده أحد مظاهر التحصين والامتناع. وقد رأينا عند الحديث عن البيئة الطبيعية في الفصل التمهيدي ما يؤيد هذه الفكرة. وقد وصف ابن خلدون هذه المنطقة بقوله: ومن بني واسين هؤلاء بقصور مصاب على خمس مراحل من جبل تيطري في القبلة بما دون الرمال، وعلى ثلاثة مراحل من قصور بني ريغة في الغرب … ووضعها (أي قصور مزاب) في أرض حرّة، على آكام وضراب ممتنعة في قننها، وبينها وبين الأرض المحجرة المعروفة بالحمادة - في سمت العرق متوسطة فيه قبالة تلك البلاد - فراسخ في ناحية القبلة … » (1).

فمنطقة مزاب محصنة تحصينا طبيعيا، اجتمع فيها من عنت الحياة وقساوة الظروف الطبيعية ما يطرد الإنسان منها، ولا يُقبل عليها إلا إذا كان مضطرًا. وقد أشار الجغرافي ابن سعيد المغربي إلى هذه المنعة الطبيعية ولجوء أهل إقليم ورقلة إليها للاعتصام بتلالها الصخرية والاحتماء بين وديانها وشعابها الجرداء عندما ينالهم حيف من الحكام بقوله: «ويمتدّ في هذه الصحراء جبل من شرقي لمتونة إلى أن يسامت أوداغست، ثم يعرج إلى الجنوب فيبقى بينه وبين زافون خمس مراحل وبه يهتدون في تلك الصحاري إلاّ أنهم لا يقربون منه لكثرة

ثعابينه. وفي ظهره الشمالي جبل ميزاب وهو عال وعر، يعتصم به أهل واركلان إذا دهـ جور من ذوي السلطان، وبينهما أربعة أيام» (3).

ولما اضطربت أوضاع المغرب باحتدام الصراع على العهد الفاطمي بين زناتة من جهة وبين كتامة وصنهاجة (4) من جهة أخرى، ثم ما عرفه المغرب من موجات

(1) ابن خلدون (عبد الرحمن المصدر السابق، ج 7، ص 123.

هلال

M. Huguet، Les conditions générales de la vie au M'zab ; La médecine et les pratiques médicales

indigènes، p. 221.

(3) ابن سعيد المغربي، المصدر السابق، ص 114.

(4) ابن خلدون، المصدر نفسه، ج 7، ص 124 - 125، 127.

- 32 -