العمارة الدينية الإباضية بمنطقة وادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ١٨٤الفتوى، و تنظيم حلقات الدرس، و ممارسة التعليم إلى جانب دوره كمخزن لبعض
المؤن كالتمور و الحبوب، و من هنا فإن المسجد يعدّ القلب النابض للمدينة المزابية
فيبعث فيها الحياة، و يعمل على تأطير المجتمع دينيا واجتماعيا القد
•
و
حرص
المزابيون على إعطاء المكانة اللائقة للمسجد معماريا، و تجسيد تلك السلطة المعنوية واقعيا. لذا فقد اختير له موقعا استراتيجيا مناسبا، فكان أوّل مبنى في المدينة المزابية على غرار المدن الإسلامية، ثم يتمّ بعد ذلك تشييد المساكن و المباني العامة من حوله، بحيث تنتهى كل الطرق و المسالك إلى المسجد
انطلاقا
من
تلك الأهمية احتلت كلّ مساجد وادي مزاب أعلى نقطة في الهضاب الصخرية التي شيّدت فوقها المدن المزابية و كان هذا الاختيار على أساس تأكيد سلطة المساجد الروحية معماريا، بحيث تشرف على كل المباني الأخرى المحاطة بها، و قد زاد في عظمتها و شموخها تلك المئذنة الهرمية الشكل العالية الملتصقة بها، لتصبح أوّل ما يبرز للناظر من مباني المدينة المزابية من على بعد كيلومترات، و بهذا أصبح المسجد يجسد فعلا مقولة "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه " تجسيدا معماريا
واقعيا
وحرصا على توحيد كلمة صفوف المجتمع المزابي داخل المدينة الواحدة، وعدم إنشاء أسباب التفرقة، لم يسمح إباضيو وادي مزاب ببناء أكثر من مسجد واحد داخل مدينة واحدة، لذا فقد لجؤوا في عدّة مرّات إلى توسيع المسجد بدلا من تشييد مسجد آخر. وتتم عملية التوسيع بضمّ المساكن المجاورة للمسجد إلى الهيكل العام_، بعد شرائها من أصحابها أو بعد تقديمها من طرف ملاكها كهبة أو تبرّع إلى المسجد، كلّما اقتضت الضرورة عند ازدياد عدد السكان، سواء بالنمو الديموغرافي أو إثر الهجرات المتتالية نحو المدينة، لكن هذا لم يمنع من ظهور نشوز عن القاعدة بسبب نشوب بعض الانشقاقات والانقسامات داخل المجتمعات المزابية و التي سبق
،
175