العمارة الدينية الإباضية بمنطقة وادي مزاب
الجزء ١ · صفحة ٢٦٤في ثنايا هذا البحث وضحت كيف كانت المصليات الجنائزية في أصلها مدارس حيث مارس بعض الشيوخ مهامهم في التدريس بعيدا عن مشاغل الدنيا و ذلك تقليدا لأسلافهم من الإباضية، فاختاروا لمدارسهم مواقع بعيدة عن التجمعات العمرانية وقد تطورت هذه المنشأة بعد وفاة الشيخ المدرّس ودفنه على مقربة من مدرسته، لتتحوّل إلى مصلّى جنائزي بعد ضمّ قبور أخرى إلى جوار قبر الشيخ العالم وتصبح مقبرة لعشيرته أو عرشه، فتتغير بذلك وظيفتها لتنتقل من منشأة تعليمية تربوية إلى منشأة جنائزية تتم فيها وظائف لها علاقة كبيرة بالميت. ولقد تمكنا من تمييز نوعين أو نمطين من المصليات الجنائزية ضمن المصليات المغطّاة اعتمادا على أسلوب التسقيف، فميزنا بين تلك المغطاة بالقباب والأخرى المغطّاة بالأقبية، بالإضافة إلى المصليات المكشوفة التي يحيط بها سياج جداري فقط
أما المقام الذي يعني المدفن فيختلف تماما عن الأضرحة التي انتشرت في كلّ بقاع العالم الإسلامي، فكانت هذه المقامات بسيطة جدا في بنائها، فشيدت على شكل مصطبة مستطيلة تعلو القبر و تتوّج أركانها نتوءات أو شرافات. وهكذا سجلنا طرازا جديدا في عمارة الأضرحة
يبدو أن خلوّ العمائر الدينية من كلّ أنواع الزخرفة (نباتية و هندسية وكتابية) يعود أساسا إلى عامل عقائدي، فالأحاديث النبوية الشريفة التي تحرّم زخرفة المباني الدينية قد لقت آذانا صاغيّة و واعيّة لدى جمهور فقهاء الإباضية، وحول هذه المسألة طرحنا عدة فرضيات لتساؤلات عديدة تصبّ كلّها في النقلة المفاجئة للإباضية من فن راق في مجال الزخرفة إلى فن متواضع بسيط يرفض كلّ أنواع الزخرفة حتى وإن كانت خطية. وتعود هذه النقلة المفاجئة في نظري إلى سببين: فكانت تعبيرا عن العودة بالدين إلى نقائه الأولي أو تأثر النازحين بالفكر
255
I
1