العنف ومنابعه: دراسة تربوية بكير بن حموده الحاج سعيد

العنف ومنابعه

الجزء ١ · صفحة ٣٧

الفصل الأول: أصل العنف و أنواعه

الحالية، ولا بالسهل أن نتعمق في معرفة حال لم يبق لها وجود أو لم تكن موجوده قط، ولن توجد

أبدا»، فما يقول الباحثون في الموضوع عن الإنسان والعنف؟

«إن كان العنف يخترق تاريخنا فذلك لأن العدوانية الكامنة وراء العنف هي في الصميم من كيان الإنسان»، هكذا قال أحد الكتاب مؤكدا حقيقة تجدر العنف عند الإنسان منذ أن وجد إلى يومنا هذا، فهو ظاهرة ملازمة له عبر تاريخه الطويل.

وفي نفس المعنى يقول "فرويد": حين يُجبر الفرد في المجتمع على التخلي عن العدوانية الملازمة له، فإنما هو مجبر على التخلي عن جزء من نفسه وهو أمر صعب»، فالعدوانية أو العنف على العموم أمر مصاحب للإنسان أو هو بصفة أدق جزء من كيانه فهو كما يحمل عواطف الحب يحمل عواطف البغض، وهو كما يحمل عوامل البناء يحمل معاول الهدم.

ويذهب فرويد إلى أقصى حدود المبالغة فيقول: ليس الإنسون» قطعا ذلك الكائن الطيب ذا

القلب المتعطش إلى الحب والذي يقال إنه يدافع عن نفسه عندما يهاجم … فالإنسان في الواقع يغريه ويستعمله جنسيا من دون موافقته … ويترل به الأ حاجته إلى الاعتداء على قريبه الألم

أن

يشبع

ويضطهده ويقتله، فهذا الرأي يحوي شيئا من الصواب وفي ذات الوقت يجمل الكثير من المبالغة، فليس الإنسان كتلة من الشر وقوة للهدم والبطش والتعطش للدماء فحسب، بل يحمل أيضا مقومات أخرى مضادة لها تنشد الخير والمودة وتسعى إلى البناء، ويلخص "فرويد" رؤيته للإنسان فيقول: «الإنسان ذئب للإنسان فمن يجرأ تجاه جميع تعاليم الحياة والتاريخ، أن يكذب هذا المثل» لكن فرويد نفسه في كتابه "معالم التحليل النفسي" يقر أن للإنسان غريزتين: "إيروس" ويرمز بها إلى كل ما يدل على حب الحياة والبقاء واللذة والمتعة والتواصل مع الجنس الآخر، و"ثاناتوس" ويرمز بها إلى كل ما يدعو إلى الهدم والتدمير، والموت، سواء ما يلحق الآخرين أو ما يلحق ذات

الإنسان نفسه.

1 ـ جون جاك روسو / أصل التفاوت بين الناس / طبع موقم للنشر، الجزائر 1991 ص 23. 2 فريق من الاختصاصين / المجتمع العنف / ص 59

3

محمد الجوه/ مفهوم القمع عند فرويد وماركيو / ترجمة فتحي الرقيق دار الفارابي بيروت - لبنان الطبعة الأولى 1994 ص 55 نقلا عن فرويد الحياة الجنسية).

سيجموند فرويد/ قلق في الحضارة / ترجمة جورج طرابيشي / دار الطليعة بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 1979/ ص 72.

34