العنف ومنابعه
الجزء ١ · صفحة ٥٩الفصل الأول: أصل العنف و أنواعه
المبحث الرابع: دوافع العنف
هل للإنسان دوافع وأهداف يرمي إليها عند ممارسته للعنف؟ بعبارة أخرى ما الحاجات التى يسعى الإنسان العنيف إلى تلبيتها؟ وهل تقتصر وسيلة تلبيتها على العنف فقط؟ دوافع العنف تختلف باختلاف الإنسان وظروفه وحاجاته، ويمكن تعدادها على النحو التالي:
المطلب الأول: الحفاظ على الذات
أ يظهر ذلك من خلال سعيه الحثيث للحصول على الطعام وعلى ما يقيم أوده ويمنع. الموت، فيندفع إلى ذلك بيولوجيا، فالعدوان يظهر في مجرى الزمان كله كتقنية ترتبط أصلا بالكسب، ويكمن دوره لدى البدائيين أصلا في الصيد، حيث يمتزج العدوان والحصول على فالعنف أول ما ظهر على الإنسان في شكله البيولوجي حين سعى إلى الحصول على الطعم عن طريق صيد الحيوانات ثم ذبحها وإتلاف جزء منها.
الطعام
،
ويقال هذا الكلام كذلك على السارق الذي يسرق أو يرتكب القتل تحت ضغط الاحتياج، ومن أجل سد الجوع واستجابة لدوافع بيولوجية، فالسطو على مال الغير وقطع الطريق وتهديدهم كلها أعمال عنف تستعمل أحيانا لا دائما للحصول على ما يضمن للإنسان استمرار حياته.
ب ـ يظهر كذلك دافع الحفاظ على الذات من أي عدو خارجي يتهدده، فيضطر للدفاع
الخارجي
عن نفسه باستعمال القوة، فيكون بذلك قد حافظ على حياته أو حياة الذين هم بحاجة إلى حمايته. أو من خلال هدف آخر هو حماية نفسه وبحاله الطبيعي من أن يعتدي عليه الغير ولو وقاية فهو يبادر بالهجوم على غريمه يقينا منه أنه إن لم يفعل سوف يباغت بذلك، فكان هذا المظهر للحرب شبيها بالحرب، كما قال ليفي شتراوس" (1908) LEVI-STRAUSS): «إن الحرب صنو الصيد، فهي ورثت عنه شحنتها العدوانية، بتحول الصياد شيئا فشيئيا إلى محاربة، نظرا لأن الفعل الذي يقوم به الإنسان مع صيده يقوم به مع عدوه باستعمال آلة الصيد أو باستعمال وسائل أخرى، لكن بيار" كلاستر (PIERE KLASTRE 1977 - 1934) نقد هذا الرأي بشدة قائلا: «إن الحرب تنتمي إلى عالم الثقافة، وليس إلى عالم الطبيعة»، ففي رأيه إن الصيد عمل بيولوجي
1 ـ مارسيل غوشية، وبيار كلاستر / أصل العنف والدولة / ص 81. 2 - مارسيل غوشية، وبيار كلاستر / أصل العنف والدولة ص 23.
56