العنف ومنابعه
الجزء ١ · صفحة ٨٦الفصل الثاني: منابع العنف لدى الأطفال
المبحث الرابع: المدرسة
—
تتميز المدرسة عن باقي وسائط التربية … عدا الأسرة - بطول المدة حيث يقضي الطفل غالب وقته في المدرسة، وتتشابه مع الأسرة من حيث المربي الوالد والمعلم والأنداد (الاخوة والزملاء) الذين يمثلون الوسط الحيوي للطفل، والغاية الكبرى للمدرسة هي إعداد الأجيال لتكون منسجمة مع الأفراد الآخرين للمجتمع، والأكثر من هذا أن تساهم في بنائه وتطويره لكن كيف يمكن أن تكون المدرسة ذاتها التي تصرف عليها الدولة الأموال الطائلة منبعا للعنف؟
يتبين ذلك من خلال التطرق إلى العناصر التالية:
المطلب الأول: النظام المدرسي
وهو كل ما ينظم العلاقة بين أفراد المدرسة من تلاميذ ومعلمين وإدارة وأول ما يظهر هذا النظام في التشريع المدرسي الذي يجسد نظرة المشرع إلى الطريقة المثلى للتربية والتعليم، فهو بتشريعاته يوجه العلاقة لأن تكون متوازنة بين الجميع، أو يوجهها لأن تكون متسلطة من أحد الأطراف، فإذا كان التشريع المدرسي يكرس تسلط طرف على آخر، فإن المدرسة تكـ ون ميدانا لمنافسة غير شريفة، وبالتالي يسود التوتر والقلق داخل المدرسة عوض أن يسود الاطمئنان، فالمعلم الذي يعطى له الحق في أن يطبق كل الوسائل التي يراها (هو) لائقة لتعليم التلميذ وتهذيبه بما في ذلك العقاب والضرب بكافة أنواعه أو التهديد بالطرد، يجعل الأطفال يعيشون في جو من الذعر والإرهاب المعنوي والجسدي تتحول فيه المدرسة إلى ثكنة أو سجن يحاول فيه كل تلميذ تفادي العقوبة والخروج في النهاية بأقل الأضرار.
ويقال نفس الكلام حين يكون التلميذ محور التشريع، فهو السيد ووجد المعلم ليرعاه والإدارة لتخدمه، ويمنع على أي واحد أن يمس شعرة منه أو يجرح شعوره بأي كلام، حينذاك يتحول التلميذ إلى متسلط فارغ الرأس، يكون هو أول ضحايا تموره فيستغل موقعه القانوني ويسعى جاهدا لإرضاء نرجسيته التي تجعل منه عدوانيا مستعليا والواجب أن يكون التشريع المدرسي وسيلة ضبط وتنظيم لكل الأطراف، ويسعى إلى أن يعطي كل طرف المكانة التي يستحقها.
والنظام المدرسي حين لا يبنى على الليونة بل على القسوة والإفراط في العقوبات، يجعل التلميذ يفقد الثقة في المعلم والإدارة، مما يدفعه إلى تبني موقف عدائي ضد الجميع، وهو بالتالي يتحين الفرصة للثأر لنفسه المذعورة، فالنظام المدرسي يجب عليه حتما أن يأخذ بعين الاعتبار مطالب نمو الطفيل في
83