الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١٦ولاءها كاملا. وبذلك بقيت هناك حلقة إيجابية قائمة بين الحكام والشعب. فلما أزيلت هذه الحلقة بتكوين جيوش محترفة من العبيد والمرتزقة، انعدم ولاء الشعب للحاكم ولم تبق هناك أى علاقة منتظمة، وكانت الصلة الوحيدة التي استمرت قائمة هي وظيفة جمع الضرائب. وقد أحسن من قال: لم يكن للمسلمين في العصور الوسطى دول» حقيقية، إنما كانت لهم إمبراطوريات»» تتفاوت سعة، وإن الوحدة السياسية الوحيدة لدى المسلمين إنما كانت تمثل في ذلك المفهوم الأيديولوجي القوى - مفهوم دار الإسلام.
واتسم موقف الناس من النظم السياسية أولا بعدم المبالاة، ثم تحول عدم المبالاة إلى عداء، مما أدى بالحكام والأسر الحاكمة وطرائق الحكم إلى الاعتماد، إلا في النادر، على نوعية القوى العسكرية. وكانت الأسباب التي قدمنا ذكرها قد حالت بين النظام الديني وبين قيامه قياما مثمرا بدور الوساطة بين الفئات المتنازعة، ولذلك جاء التاريخ السياسي أواخر القرن الثالث وطوال القرن الرابع، في معظمه، سردا لأخبار التنازع على السلطات بين الخلفاء والأمراء والجيوش، ذلك التنازع الذى كان ينتهي في كل مرة بانتصار قادة الجيوش. وهكذا، شهد القرن الرابع كيف انهار التنظيم السياسي الذي أقامته الخلافة على أنقاض الرومان والفرس انهيارا تاما. وجاءت الضربة النهائية خلال القرن الذي حكمت فيه غربي آسيا دول شيعية - تلك فترة سادها سوء الحكم والفوضى، وأصيب فيها الريف بأبلغ الأضرار، وإن تكن الفوضى والانقسامات المذهبية قد أثرت أيضا فى المدن بدرجات متفاوتة.
وأصبح للهيئات الاجتماعية بالمدن فى جميع أنحاء العالم الإسلامي في القرون الوسطى مظهر فذ مشترك فيما بينها، وذلك هو نشوء أحزاب شعبية، متفاوتة في حظوظها من التنظيم، وكثيرا ما تثور الخصومات الثورية العنيفة بينها، أو فيما بينها وبين الدولة. وقد نجد أمثلة هذه الحال في النزاع الذي قام في بغداد بين والشيعة، وفى أعمال الشغب التي قام بها الكرامية فى المدن الفارسية ضد
الإسماعيلية.
السنة
ذلكم موضوع الكتاب .. أسأل الله أن يجعله مقبولا، ويتبعه الجزء الخاص عن
الشيعة. وبالله التوفيق.
تحريرا في: 12 ديسمبر 1996 م
الموافق غرة شعبان 1417 هـ
دكتور / محمد إبراهيم الفيومي