الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١٥استمر تأثيرها طويلا بعد سقوط الخلافة الفاطمية (سنة 1171 م). فقد بثت روح البحث الطليق، والجهد الفردى، والتفاعل بين الأفكار، وكل هذه العناصر تجلت في مؤلفات معظم أعلام الكتاب فى فارس والعراق أثناء القرن الرابع، وبخاصة ابن سينا، ووجدت صدى حتى في إسبانيا الإسلامية بالرغم من نزعات التشدد والتضييق لدى المذهب السني المالكي وأمراء المرابطين. وامحت في الحضارة الجديدة قسمة الناس اجتماعيا إلى فريقين: عرب وغير عرب، بل ضعف شأن الفوارق في قسمتهم إلى مسلمين وغير مسلمين. فاشترك علماء اليهود والنصارى فى جميع وجوه النشاط الفكرى مع العلماء المسلمين على السواء، وكان لهذه المشاركة أثرها فى مكانتهم الاجتماعية، إذ فتحت لهم الطريق إلى مناصب رفيعة في الدولة ووظائفها العامة، وإن ظلوا عرضة لبوادر العوام، ونزواتهم بين الحين والحين وانساق زعماء السنّة أنفسهم فى هذا التيار العام حتى بلغ بهم الأمر أن سندوا الأسس العقائدية فى مذهبهم بحجج كلامية مستمدة من النظريات العلمية السائدة، ولكنهم كانوا يدركون تمام الإدراك أن كثيرا من فروع الدراسة يحتوى نزعات إلحادية، وأصروا على تجنب المحاولات المضادة التي كان يقوم بها أمثال ابن سينا للربط بين النظريات الفلسفية السائدة وبين مبادئ الإسلام.
بيد أن النهضة الإسلامية، من الناحية الأخرى، كانت تعاني نواحي ضعف خطيرة إذ اقتصرت ثقافتها وحضارتها على المدينة، فقلما شاركت الأرياف في الحضارة الناشئة أو لعلها لم تشارك فيها أبدا، وظلت تفصلها عن المدن هوة اجتماعية واسعة. ثم إن عدم الاستقرار فى النظم السياسية، وانعدام المرونة والنمو، واضطراب العلائق الاجتماعية الذي حال دون قيام نظم بلدية - إن كل هذه الأمور، حتى في المدينة نفسها، كانت تنطوي على خطر دائم يهدد نواحى النشاط الثقافي خارج نطاق السنة التي وقفت من تلك الأمور المذكورة موقفا غامضا. وعلى ما حققته النهضة الإسلامية من منجزات ثقافية فذة ظلت أسسها ـ من ثم ـ سطحية، ليس لها جذور عميقة في أغوار الحركة الإسلامية، أو في الكيانات الاجتماعية القوية. فاقتصرت على طبقة محدودة من مجتمع المدينة - وإن ظلت لمدة قصيرة طبقة ممتدة منتعشة الحال ـ واعتمدت في قيامها على عوامل مؤقتة. وقد كانت إذا تقلصت في ناحية استطاعت الامتداد والتوسع في ناحية أخرى ما دامت حضارة المدينة مزدهرة نامية غير أن استمرارها كان رهنا باستمرار العوامل المؤقتة التي تمثل أسس وجودها.
،
وهكذا وقف أهل السنة والجماعة بين الدولة والرعية، وطالبوا أن تمنحهم الرعية
15