الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ١٨

،

الفصل الأولـ

نشأة النظرية السياسية في الإسلام

1 - العرب قبيل الإسلام

لا شك في أن حالة البدو في الصحراء كانت بسيطة ساذجة. أما في المدن، كمكة والمدينة، فقد كان لهم قانون متطور. فمكة بلد تجارى، له علاقات تجارية مستمرة بسوريا الرومانية البيزنطية، وبالعراق الساساني، وباليمن. والمدينة كانت بلدا زراعيا تضم جالية كبيرة من اليهود. فكانتا متأثرتين بالقانون الروماني الإقليمي، والقانون الساساني، والقانون اليهودى، حتى ليمكننا القول: إن البلدان العربية كانت محكومة في القرن السادس الميلادي بقانون عربي متشعب الأطراف، به عناصر من أسس عربية تعارف عليها العرب، اختلطت بها أنواع من القانون الروماني والساساني واليهودى تطورت إلى درجة من نوع ما، مختلفة اختلافا ملحوظا عما كانت عليه الحياة البدوية التي يحياها البدو في الصحراء (1).

على أنه لم يكن لديهم حكومة منظمة، ذات سلطة تشريعية تسن القوانين، وتقوم على تنفيذها، وإنما كان هناك اصطلاح على الأوضاع التي استمدوها من النظم التي نقلوها من الأمم المجاورة، التي عايشوها وخالطوها أثناء رحلاتهم التجارية، وتأثروا بها، وتشكلت أعرافهم المشيخية. ولم يكن العرب على الحقيقة ينتظمون في جماعة لها كيانها المستقل. وإنما كانوا أمة بلا أرض محدودة، وبلا سلطة إلا سلطة القبائل وسلطة رؤسائها، وبلا رابطة إلا رباط الدم، الذي يربط الفرد بقبيلته التي كانت تدفع الدية عنه، وتقوم بفكاك الأسر، وحماية الحمى. وهم على هذا الوضع القبلي كانت لهم تقاليد في مأكلهم ومشربهم وملبسهم وولائمهم وأعيادهم، وفى نكاحهم وطلاقهم، وبيوعهم وسائر معاملاتهم. وكانت لهم محارم يحرمونها كالأمهات والبنات والأخوات وغيرهن. ولهم مزاجهم في مظالمهم في مثل الجنايات والديات والقسامة وما شاكلها (2).

(1) تاريخ الفكر الديني الجاهلي، د. محمد إبراهيم الفيومي (2) حجة الله البالغة: ج 1 ص 126، ولى الله الدهلوى.

18