الفكر العقدي عند الشيخ بيوض
الجزء ١ · صفحة ٢٤٢فالله خالق الأسباب جعل لكلّ شيء سببًا وتعبدنا بالأخذ بها، فالمؤمن يجتهد لعمارة الدارين، «أما أن يعتقد أحد أنَّه يُرزق في الدنيا من غير كسب فهو ضال مخالف لسنة الكون (4)، فليس متوكلاً على الله من قعد عن اتخاذ الأسباب، فإنَّ تركها - اعتقادًا أَنَّ الجزاء مرتبط بالمشيئة العليا لا بعمل الإنسان- مدعاة إلى العجز عن الاستقامة في الدين، والقعود عن التقدم الحضاري، وهذه الفلسفة الحقيرة أدّت عملها في إفساد الأمة وتلويث المجتمع وإهانة الدين وتعاليمه» (2).
يقتضي التوكلُ الصحيح من المؤمن أن يجمع بين الأمرين «الاعتماد المطلق على الله واتخاذ الأسباب المشروعة، وإذا اجتمعا يكون النجاح ويكون النصر وتكون النجاة» (3) إن شاء الله وقدر ذلك، لأنّ الله خالق الأسباب فهي لا تغيّر من قدر الله شيئًا، فكلما تسبّبت أيها المؤمن فاعتمد على الله، واعتقد جازما أنَّ الأسباب وحدَها لا تجدي شيئًا إذا أراد الله غير ما تؤدّي إليه» (4).
يكون العبد جديرا باستجابة دعائه إذا استفرغ الوسع في القيام بالأسباب، «فعلى الفلاح -مثلاً- أن يحرث الأرض ويختار أجْوَدَ البذور، ويتحين الوقت المناسب للبذر، ثُمَّ يعالج ويسقي، ويقوم بكل الأعمال التي تضمن النتاج الوافر الجيد، ثُمَّ بعد ذلك يتوكل بعد ذلك يتوكل على الله ويدعوه الحفظ والسلامة والنتيجة الطيبة .. وبدون هذا لا ينفع الدعاء، بل الدعاء بدون عمل يُعد استهزاء ونقضا لسنة
على صاحبه العقاب» (5)
الله تعالى، ويُخشى
2 - الصبر الإيجابي
يصـ
لا تخلو الحياة من البلايا والنكبات وخاصة سبيل الداعية إلى الله، فإذا أصابه مكروه فعليه أن الصبر الجميل، يحتسب أجره عند ربه ولا يبثّ شكواه إلا إليه، معتقدا أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، معتبرًا بمصيبته مجتهدا في اتخاذ الأسباب الروحية والمادية للخروج منها، فالقضاء والقدر في أذهان كثير من المسلمين استسلام للواقع وخضوع له وسكوت وصبر عليه باعتباره إرادة إلهية في حين أنَّ الإسلام وفهم المسلمين في العصر الأول لم يكن كذلك» (6).
(1)
(2)
(3)
في رحاب القرآن، سورة فاطر: 388/ 13؛ سورة الروم 2210
محمد الغزالي عقيدة المسلم 219
في رحاب القرآن، سورة الأنبياء 904
(4) من سورة الفرقان: الروم 2410
(5)
(6)
من الفرقان: 266/ 74 267 سورة القصص: 2818
محمد المبارك: نظام الإسلام 12
- 242 -