المدخل إلى الفقه الإباضي
الجزء ١ · صفحة ١٧٤في حقيقة الأمر أن الإباضية لم يغب عنهم قول الله تعالى: … وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُم) (1) فلم يختلفوا عن سائر المسلمين في القول بحلية طعام أهل الكتاب، عندما يكونون خاضعين لسلطان الدولة الإسلامية. واقعين تحت رقابتها خائفين هيبتها إن تمت مخالفة أحكام شريعتها، فهم لا يحرمون طعام أهل الكتاب على الإطلاق، إنما وقع الخلاف بين الإباضية أنفسهم حول مدى حلية طعام أهل الكتاب إن كانوا للمسلمين حرباً، بأن كانت لهم السطوة والقوة، ولم يكن للمسلمين قدرة على إخضاعهم أو مراقبتهم، ففي هذه الحالة كان للإباضية رأيان رأي يجوز أكل طعام أهل الكتاب سواء أكانوا أهل حرب أم أهل ذمة عملاً بعموم الآية، ومن القائلين بذلك محمد بن يوسف أطفيش. وهو يعد من كبار علمائهم حيث ذكر أنه تحل ذبائحهم ونكاح حرائرهم، ولو لم يعطوا الجزية ولو حاربوا لإطلاق القرآن عن اشتراط الجزية، ونزل القرآن فيهم وهم محاربون ولم يشترطها، وهو قول قومنا، وبعض أصحابنا (2). وهذا الرأي هو رأي إبراهيم بيوض وهو أيضاً من كبار فقهاء الإباضية (3). ويروي هؤلاء الإباضية أثراً عن الإمام علي بن أبي طالب وابن عباس أنه قيل لهما أن أهل الكتاب يذكرون على ذبائحهم غير اسم الله، فقال
علي وابن عباس: إن الله حين أحل لنا ذبائحهم علم ما يقولون على ذبائحهم (4). أما الرأي الآخر، وهو رأي الأكثرية من الإباضية فهو المنع () وقد أورد عامر الشماخي آراء العلماء في هذه المسألة ( … ) نرى أكل ذبائح أهل الحرب من أهل الكتاب، ولا نكاح نسائهم، ولا صيد كلابهم، وهذا القول أصح؛ لأنه حين حاربوا لم تكن لهم حرمة تحل بها ذبائحهم ولا نساؤهم، ألا ترى أنه لا يحل في امرأة واحدة أن تحل لرجلين مسلمين هذا بنكاح، وهذا بسبي وملك، أعني لو كانت حلالاً لرجل مسلم فتزوجها، أليس لغيره من المسلمين أن يسبيها حين حاربوا، ولا يجوز أن تحل لهذا بنكاح ولهذا بسبي وملك، وكذلك لا تحل ذبائحهم، كما لا تحل نساؤهم
وليس لهم حرمة) (6).
(1) سورة المائدة /5.
(2) محمد بن يوسف، اطفيش، كشف الكرب 145/ 1. (3) فتاوى الشيخ بيوض /567 - 570.
(4) عامر الشماخي، كتاب الإيضاح 2/ 456. (5) محمد بن يوسف، اطفيش شرح كتاب النيل 495/ 4. (6) عامر الشماخي، الإيضاح 457/ 2.
152