منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣٣

الفصل الأول:

الشيخ بيوض، عصره وحياته

وما أحدثت من مظاهر الفساد فيها

كما لا يخفى ما للمدنية الغربية التي حملها الاستعمار الفرنسي معه من أثر في شيوع بعض مظاهر التفسخ وعدم الالتزام، سواء أكان في المظهر أم المخبر، وفي هذا يقول الشيخ بيوض: «انسلخ كثير من شبابنا من دينه وجنسيته وعاداته الصالحة، مظهرهم الخارجي إفرنجي، وتحت ثيابهم العار، ونفوس دنسة يعشش فيها الشيطان» (2).

غير أنّ هذه الحالة الأخلاقية لم تنفكّ عن المجتمع بمجرد خروج الاستعمار من الجزائر، بل ظلت كذلك، وربما كانت أوسع انتشارا، نظرا لانفتاح المجتمع على العالم الخارجي أكثر، وظهور التيارات المناهضة للإسلام المعادية لمبادئه كالشيوعية الإلحادية.

ونكتشف هذا التأثر من خلال دروس التفسير للشيخ بيوض خلال العقد السادس والسابع من القرن العشرين؛ حيث شنّ حربا شعواء ضدّ هذه الأفكار في كثير من المناسبات، من ذلك قوله: «ولقد أصبحت أخلاق الشباب كأخلاق البنات، وكأنهم ليسوا رجالاً، وهذا هو الانحلال الخلقي، والإباحية والميوعة، والتقليد الأعمى للغرب في مساوئه ورذائله، والسير معه في عيوبه ونقائصه، ونبذ محاسن ديننا وتقاليدنا الشرعية بدعوى التجديد والإبداع» ()، وصدّا لهذا التيار يقول الشيخ ناصحا الشباب: «فحافِظ أيّها الشاب المسلم على تقاليدك، وعلى لباسك وهيئتك ولحيتك؛ لأنّه تقليد شريف، وليس عنصر اللباس يدخل في الدين، بطريقة مباشرة، ولكنه سياج حصين، يمنعك من الذهاب إلى أماكن المعصية» (4). إذن، فعادات المجتمع وأنماطه السلوكية أصبحت عرضة للتبدّل والإهمال من قبل أبنائه؛ لذلك حاول الشيخ بيوض من خلال منابر الوعظ والإرشاد وضع سياج محكم على هذه الأعراف، ومحاولة إقناع أفراد المجتمع بأصالتها الشرعية، وأبعادها المقاصدية، وجدواها التربوية والاجتماعية (5).

(1) ينظر: دبوز: أعلام الإصلاح، 82/ 4 - 85.

(2) دبوز: المصدر نفسه، 85/ 4. وهو خطاب مرتجل ألقاه الشيخ بيوض في لقاء لأنصار حركته الإصلاحية بغرداية، ويظهر

فيه نوع مبالغة في الوصف والله أعلم. (3) في رحاب القرآن، 3/ 134. (4) المصدر نفسه.

(5) ينظر المصدر نفسه، 3/ 135 وما بعدها.

وهذا الذي يمكن أن نفسر به اهتمام الشيخ بالبعد المقاصدي للأحكام، وفلسفة التشريع من جهة، ومن جهة أخرى تمسكه ببعض العادات والأعراف كـ «ثنُوبَا»، وحفل الزيارة، ومجالس الذكر الجماعي، وغير ذلك، لما يرى ما لها من الأثر في الحفاظ على وحدة المجتمع وتماسكه أمام التيارات الفكرية العاتية. وفي هذا يقول: «ويجرنا الحديث أيضا إلى ما يدعو إليه

(33)