تاريخ تونس محمد الهادي الشريف

تاريخ تونس

الجزء ١ · صفحة ١١

وبشيء من التمدن شهد بذلك في مناسبات عدة الرحالة الاجانب منذ القرن السابع عشر. هذا حسب علمنا. وقد ألح برودال بشدة على ما تنفرد به افريقية عن بقية بلاد المغرب وأبرز ذلك في فصل هام من تأليفه: البحر الابيض المتوسط في عهد فيليب الثاني

ومن البديهي ان هذه الخصائص لم يكن يتصف بها سوى سكان المدن والمحظوظين أما البوادي والمناطق النائية فقد كانت على خلاف ذلك: كان يعمرها اللوبيون واللوبيون البونقيون وقبائل البربر والبدو من الذين قهرتهم تقلبات الدهر وغدوا ضحية نظم الاستغلال المتعاقبة. فقد كان أسياد البلاد وحلفاؤهم من أعيان المدن والجهات المحظوظة اقتصاديا يملكون وسائل قهر قوية) حربية وإدارية … ) يسلطونها على سكان تلك المناطق. كما كانوا يحظون بنظام اقتصادي واجتماعي متقدم نسبيا. فكان ذلك الوضع كفيلا بأن يضمن لهم السيطرة على بقية البلاد واستغلالها حتى وان ادى بهم الامر الى تشريد غير الممتثلين والمتمردين، واقصائهم نحو الهوامش القاحلة الجدباء والرمي بهم في حياة (التوحش» تلك الحياة المتأخرة تقنيا واقتصاديا واجتماعيا. وكان هذا الوضع كفيلا كذلك بأن يجعل سكان المناطق الداخلية يكنون لهم عداء متوارثا متأصلا ويترصدون أول أزمة للهجوم على المناطق الخاضعة للسلطة والمستغلة بانتظام فيفسدون سير الامور فيها وقد يعينهم على الامر ضحايا ذلك الاستغلال. لذلك كان سكان الحواضر والذين يحيون حياة مستقرة وبعبارة أدق الاعيان منهم والمنتفعون من استثمار البلاد يتقبلون دائما بارتياح قدوم سيد جديد قادر على فرض النظام وارجاع الامور الى نصابها وكسر شوكة المتمردين من المحرومين وتمثل هذه الحركية التي بسطنا خطوطها الكبرى فرضية عملنا وسننطلق منها لتفسير تاريخ البلاد التونسية بل وتاريخ بلاد المغرب وسنتوقف في الصفحات الموالية في أكثر من مناسبة لامتحان هذه الفرضية واختبار

صحتها

ولنذكر بأنه لئن كانت المعلومات المتعلقة بتاريخ الغزاة المنتصرين

11