تاريخ تونس
الجزء ١ · صفحة ٦٩أما في الحواضر فقد فرضت مكوس متنوعة على صنع البضائع وتنقلها واستهلاكها وكانت تلك المكوس في العادة «لزمة» شانها في ذلك شان عدد كبير من الوظائف العمومية ونصف العمومية
واخيرا، كان الجهاد البحري، أو القرصنة - تدعمه السلطة الجديدة غداة الغزو، ويمارسه مشارقة او مسيحيون اسلموا - يوفر مداخيل ذات بال للخزينة العامة وللاتراك الذين كانوا يقومون به. وخارج هذه القطاعات المتصلة من قريب أو بعيد بحضور الغزاة الاتراك كان النظام الاجتماعي المحلي لا يزال يخضع لمؤسساته هو وخاصة منها ذات الطابع الديني التي صاغته وصهرته في بوتقة واحدة منذ قرون عديدة، اي المؤسسات التي تنتمي الى الاسلام الرسمي اسلام الثقافة والمدينة) أي القضاء والتعليم والعبادة والاعمال الخيرية) او تلك التي تنتمي الى اسلام عامة الناس) اي ضرائح الأولياء الصالحين وما يصحبها من شتى التظاهرات) اما في مستوى الحي والقرية أو العشيرة فان القضايا اليومية كان يتولى امرها «شيخ» يختاره كبار القوم من بين صفوفهم وكان الغزاة يكتفون بمراقبة عمليات التسمية في المناصب أو احيانا باسناد لزمة الوظائف. كما كان لهم ايضا ان ينصبوا شخصية تركية على رأس مصلحة عظيمة الشان، مثل ذلك المسمى القاضي الافاندي) أي القاضي الكبير) والذي اطال في نعته الوصاف لانه كان اقرب الى الجندي الفظ منه الى العالم الفقيه وكان يرسل من قبل سلطان اسطمبول ليتولى شؤون القضاء
كان النظام الذي اقره الغزاة في اواخر القرن السادس عشر وبداية القرن الموالي لصالح طائفة الاتراك لاشتمالها على شخصيات سامية مبعوثة من قبل سلطان اسطمبول لفترة معينة وعلى انكشارية ينتمون الى طبقة الفقراء اصيلي بلاد الاناضول الذين أثروا بتونس وتأصلوا بها وعلى من اسلم من المسيحيين وكانوا يعتبرون) اتراكا» حالما يدخلون البلاد وعلى ابناء هؤلاء الاتراك ويسمون الكوار غلية أي الذين يولدون في
69