توثيق الأعيان الوقفية في الفقه الإسلامي والقانون الجزائري: وقف سيدي بنور بن صالح، دراسة تطبيقية عيسى بن محمد بوراس

توثيق الأعيان الوقفية

الجزء ١ · صفحة ١٠

- أولا نظرة تاريخية

مدخل تمهيدي مدخل تمهيدي

الأوقاف مؤسسة قديمة جداً عرفها الناس منذ العصور القديمة قبل الإسلام، فلقد سجل القرآن الكريم أنّ أوّل مكان خصص لعبادة الله سبحانه وتعالى هو البيت الحرام بمكة المكرمة + إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَة مُبَارَكًا وَهُدًى للعالمين " (سورة آل عمران: 96/ 3)، فيكون بذلك المسجد الحرام هو أوّل وقف عرفته الإنسانية (4). ولقد عرف الصينيون والفراعنة واليونان وغيرهم من الشعوب وقف أماكن للعبادة، فقد دلت الوثائق الفرعونية على وجود أراض ينفق ريعها على دور العبادة، أو تعطى عوائدها للرهبان لينفقوها على الفقراء والمرضى. وقد أشارت السنة المطهرة إلى عدد من الأوقاف، بدءًا ببناء المسجد النبوي المطهّر في المدينة المنوّرة، بعد الهجرة الشريفة بأشهر قليلة، ومرورا بحوائط (بساتين) مخيريق (2) التي تركها للرسول x قبيل مقتله في غزوة أحد، ثم بئر رومة التي أوقفها عثمان بن عفان T ليشرب منها المسلمون، بناء على حث من النبي x على شراءها ووقفها، ثمّ أرض عمر بن الخطاب T في خيبر التي سأل فيها رسول الله × فأرشده إلى حبس أصلها وجعل ثمرتها في وجوه الخير.

ويعتبر وقف عمر T هو الوقف الذي اشتهر بين المؤرخين والفقهاء حتى اعتبروا النص الوارد بشأنه (وثيقة) (الوقف أساس مشروعية مبدأ الوقف في الإسلام، فكان وقفا استثماريا خيريا تنفق ثمراته على وجوه البر في إطعام الفقراء والمساكين وابن السبيل.

وفي واقعنا المعاصر تؤلف الأموال الوقفية جزءا مهما من الثروة المجتمعية في عدد من البلدان العربية والإسلامية. كما تشكل فكرة الوقف الإسلامي مبدأ غزيرا بالعطاء في اتجاه إنماء القطاع الخيري الغير حكومي الذي يهدف إلى النفع العام والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهي الميزة الأساسية في الأنظمة التي تتبع اقتصاد السوق، وتشجيع الملكية الخاصة وفتح المجال للقطاع الخيري، مثل الجزائر، الأمر الذي يجعل هذه الفكرة جديرة بالدراسة النظرية وبالتشجيع في التطبيق العملي في جميع البلدان والمجتمعات الإسلامية، بل وفي البلدان غير الإسلامية أيضا. حرص المسلمون منذ فجر الإسلام على توقيف أملاكهم وهذا رغبة في ثواب الله تعالى، واستمرار العمل الصالح بعد انقضاء الآجال، والتحول من الفانية إلى الباقية، ولهذا حرص الواقفون على بقاء أوقافهم مع تعاقب السنين، والتوثيق هو السبيل الموصل إلى ذلك، والحفاظ عليها من الضياع والاندثار، وذلك تحقيقا للمقاصد الشرعية في الحفاظ على الأموال.

إن توثيق الأوقاف من أعظم أسباب حفظها من الضياع، ودفع الأيدي المعتدية عنها، واستردادها من مغتصبيها حتى ولو طال الزمان، وهو الطريق لاستمرار الانتفاع بالوقف، وفق مراد الواقف وشروطه.

-

1

ورد في الأثر، أنّ الجنّ كانت تسكن الكرة الأرضية قبل خلق آدم، وكانت تطوف بالكعبة. 2 - مخيريق يهودي الأصل من أهل الكتاب، عاش في عهد النبوة، تصدّق بحوائط له للرسول محمد ×، فمات في غزوة أحد يقاتل مع المسلمين، قال فيه الرسول: مخيريق خير اليهود رواه ابن إسحاق معلقا وابن هشام، 129/ 3، وابن كثير، البداية والنهاية، 36/ 4.