توثيق الأعيان الوقفية
الجزء ١ · صفحة ٤٤الفصل الأول: أحكام الوقف والتوثيق
نشاطه الاقتصادي ليحقق الغرض المرجو منه، وهذا بغياب أحد الشركاء أو موته، فكان لزاما على رجال القانون التفكير في إيجاد وسيلة قانونية تحفظ وتوحد الجهود والأموال. فوجدوا أن الأداة المناسبة هي افتراض الشخصية الاعتبارية والتي تشبه الشخصية الطبيعية في أحكامها القانونية من حيث الحقوق والواجبات إلا فيما يستحيل ذلك ومستثنى بالقانون
(1).
إنّ افتراض الشخصية يساعد على توجيه الجهد والمال، ولقد أصبحت هذه التجمعات المالية والبشرية أهمية كبيرة في الاقتصاد المعاصر، إذ بإمكانها القيام بأعمال كبيرة وإنجازها في مواعيدها المحدّدة، فالإنسان بمفرده لا يقدر على القيام بهذه المشاريع في غالب الأحيان، والشخصية الاعتبارية لها كيان مستقل عن المؤسسين، بحيث لا تتأثر بإفلاس أحد أعضائها أو وفاته، فالأعمال تستمر، وفق ما يخوله القانون من ذمة مالية وحق التقاضي والنائب الذي يتحدّث باسمها، وغير ذلك من الحقوق والواجبات (2)
إن هذه المميزات التي تتمتّع بها الشخصية الاعتبارية تساعد على تحقيق التنمية والتطوير الاجتماعي والاقتصادي والثقافي .. من حيث توحيد الأموال والجهد الاجتماعي.
- سادسا: الشخصية الاعتبارية للعين الوقفية في التقنين الجزائري وتكمن شخصيته الاعتبارية أو المعنوية أكثر في قيام الدولة بكل مؤسساتها وما تملكه من سيادة في احترام إرادة الواقف وتنفيذها، طبقا لنص المادة 05 من قانون الأوقاف: «الوقف ليس ملكا للأشخاص الطبيعيين ولا للاعتباريين ويتمتّع بالشخصية المعنوية، وتسهر الدولة على احترام إرادة الواقف وتنفيذها».
فالشخصية المعنوية مكنت للوقف الحماية والاستقلالية، فالذمة المالية مستقلة تجعل منه مدينا بكل مستحقاته، طبقا لنص المادة 26 من المرسوم 381/ 98 المحدد لشروط إدارة الأملاك الوقفية وتسييرها، وبما أنّ الوقف يتسم بالطابع الأبدي، فإنّ مستحقاته لا تنتقل إلى الغير، ولا تسقط بزوال الهيئات القائمة على إدارته وتسييره.
المطلب الثاني: الشخصية الاعتبارية للأعيان الوقفية في الفقه الإسلامي:
الشخصية المعنوية أو الاعتبارية أو القانونية هي مقابل الشخصية الطبيعية الحقيقية المتمثلة في الإنسان نفسه الذي تبدأ شخصيته منذ علوقه في رحم أمه بشرط ولادته حيا، حيث تثبت له أهلية الوجوب الناقصة، والكاملة بالولادة حياً، ثمّ أهلية الأداء الناقصة بالتمييز، والكاملة بالبلوغ والرشد، وهي في طريقها تترّض لعوارض كثيرة، ثم تنتهي بالموت (3).
فالشخصية الاعتبارية هي صلاحية كائن جماعي، أو اجتماعي لثبوت الحقوق له، أو عليه، أو أنها صفة يمنحها القانون لمجموعة من الأشخاص، أو الأموال قامت لغرض معين بمقتضاها
1 - د. هجيرة دنوني، المرجع السابق، ص: 175 د. عبد المنعم الصده المرجع السابق، ص: 470. فقه استثمار الوقف وتمويله، عبد القادر بن عزوز اطروحة دكتوراه، بحث مرقون، ص: 58.
2 - عبد القادر بن عزوز فقه استثمار الوقف وتمويله، أطروحة دكتوراه، بحث مرقون، ص: 58. 3 - انظر: د. علي القره داغي، مبدأ الرضا في العقود، دراسة مقارنة، ط. دار البشائر، 1985.