توثيق الأعيان الوقفية
الجزء ١ · صفحة ٤٥الفصل الأول: أحكام الوقف والتوثيق
تكون هذه المجموعة شخصا جديدا متميّزا عن مكوّناتها، ويكون أهلاً لتحمل الواجبات واكتساب
الحقوق (1).
لقد بحث عدد من الفقهاء والباحثين المعاصرين في الشخصية المعنوية، بين مثبتين ونافين، وأمّا الفقهاء المتقدمون فلم يتطرقوا إلى هذا الموضوع نظراً لأنّ هذه التسمية حديثة لم تظهر كمصطلح فقهي له مدلوله الخاص إلا في فترة متأخرة، كما أنهم لم يحتاجوا إلى هذا الفرض والتقدير، انطلاقا من صياغته الخاصة في معالجة الموضوعات بموضوعية، وحلوله التي تصبغ دائما بالجانب الديني والأخلاقي، ولذلك فلم يكن بحاجة إلى هذه الحيلة للوصول إلى تلك النتيجة فالفقه الإسلامي مبني على عدم الفصل بين السلوك الديني والسلوك الدنيوي، بل لا يعترف بهذه التفرقة - كقاعدة عامة - فقد جعل ذمة الإنسان مشغولة بحقوق الناس في الوقت الذي هي مشغولة بحقوق الله تعالى ومزج بينهما مزجا دقيقا حيث جعل عبادة الله تعالى أساسا لتقويم سلوكه، وتعامله مع الآخرين، وعني بتنظيم حقوق الإنسان، والتزاماته، وعلاقته بالناس جنبا مع جنب مع تنظيمه للفرائض والواجبات، بل وما الدين إلا حسن التعامل مع الخالق والمخلوقات، قال تعالى: قل إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين، وقال الرسول محمد ×: «الدين المعاملة»، فالمؤمن لابد أن تكون حياته ومماته الله ربّ العالمين لا تنفصل نظرته إلى الدنيا والآخرة، فنرى أنّ لكلّ جريمة عقابين أحدهما في الدنيا والآخر في الآخرة، كما نرى مدى التزاوج القوي بين العبادة والسلوك والتعامل في قوله تعالى: إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر … (4)، فالصلاة التي تقبل، هي التي تظهر آثارها على سلوك الفرد؛ فتمنعه عن الفحشاء والمنكر اللذين يشملان الغش والخديعة، والكذب والتدليس وغيرهما، وبالمقابل جاءت الآيات التي تحمل بين ثناياها تنظيم المعاملات المالية والأسرية مبتدأة بنداء + يا أيها الذين ءامنوا … " ومختتمة بربط المخاطبين بالله تعالى وحثهم على التقوى، وتخويفهم بعذاب الآخرة وتشويقهم إلى نعيمها، كما هي آية الدين التي سبق شرحه (5).
(3) ،
وقد انعكس هذا الأساس على فكرة الذمة لدى الفقهاء المسلمين باعتبارها مناطا للتكاليف الدينية والدنيوية معاً، فمن لم يكن أهلا لتحمّل الأولى لا يكون أهلا لتحمّل الثانية، ولهذا تكتمل أهلية الأداء عندما يبلغ الإنسان ويكون مكلفا بالصلاة ونحوه (6)، فالإنسان الذي كلف بالعبادة هو نفسه الذي كلف بتعمير الأرض والعمل المفيد والسلوك المستقيم، بل كل ذلك داخل في نطاق العبادة بالمفهوم الإسلامي، ومن هنا اصطبغت الذمة بهذه الفكرة، ولم يكن فصل الجانب الديني عن الجانب المادي فيها خلافا لنظرة الفقه الوضعي الذي ينظر إليها بنظرة مادية بحتة، فجاءت نظرة الفقهاء المسلمين إليها نظرة تكليفية - أي من كان أهلا لخطاب الشارع كان أهلا لأن تكون له ذمّة مالية يكلف بالواجبات المالية، ولا يوجد كائن آخر أمامنا إلا الإنسان ولذلك قصروا الذمة
1 - السنهوري، الوسيط، ط دار إحياء التراث العربي، 2، 288/ 5.
2 - منهم الشيخ علي الخفيف في كتابه الشركات وكتابه الحق والذمة والشيخ مصطفى الزرقا في: المدخل العام. ود. عبد العزيز الخياط في رسالته للدكتوراه الشركات ود. صالح المرزوقي في رسالته للدكتوراه: شركة المساهمة. ود. السيد علي السيد في كتابه الحصة بالعمل، .. وغيرهم.
3 - سورة الأنعام، الآية: 162.
4 - سورة العنكبوت، الآية: 45.
5 - د. على القره داغي، ديون الوقف، بحث مرقون، ص: 43.
6 - انظر أحكام القرآن للشافعي، 84/ 1، كيف ربط بين العبادات والمعاملات.