توثيق الأعيان الوقفية في الفقه الإسلامي والقانون الجزائري: وقف سيدي بنور بن صالح، دراسة تطبيقية عيسى بن محمد بوراس

توثيق الأعيان الوقفية

الجزء ١ · صفحة ٥

مقدمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات + وَلِلَّهِ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المصير" (المائدة: 18).

وصلى الله وسلم على من بعثه الله رحمة للعالمين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

على مدى عقود طويلة من تاريخ الأمة الإسلامية مارس الوقف بنظامه التنموي الرائد أدوارا بالغة الأهمية في تدعيم مختلف نواحى الحياة في الدولة المسلمة، حتى غدت «مؤسسة الوقف في الإسلام» مؤسسة كبرى ومؤسسة لمشاريع أخرى لها أبعاد دينية وإنسانية وحضارية واجتماعية واقتصادية، وكانت رمز العطاء ومفجرة الطاقات في المجتمع الإسلامي. ولكثرة أموال الأوقاف فيما يتعلق بأنفس عناصر الثروة، وهي العقارات والأراضي

الزراعية قد أوجدت بابا للهجوم على الأوقاف، وتتمثل في الآتي: - ضعف العناية بأموال الأوقاف وغياب سنداتها، مما أدى إلى فساد إدارتها، وتضييع الأملاك الموقوفة واستيلاء حائزيها عليها وعلى غلاتها.

- الطمع والرغبة في الاستيلاء على هذه الأموال وخاصة من جانب التوجهات السياسية المتعاقبة على الجزائر التي كانت ترغب في السيطرة على الأوقاف والوفاء باحتياجاتها المالية. وإذا كان ضعف الاهتمام بالوقف قد حدث في ظل تلك الظروف والتوجهات الفكرية والسياسية، فإنّ عودة الاهتمام الكبير تأتي في سياق تحولات مهمة من جملتها اتجاه الجزائر إلى اقتصاد السوق بإعادة الاعتبار لمؤسسات المجتمع المدني أو القطاع الخيري، وإلى المبادرات الخاصة بالخدمات الاجتماعية المختلفة التي تثقل كاهل الميزانيات الرسمية، إذ كان الاعتقاد أنّ الدولة وحدها قادرة على تحمّل أعباء هذه القطاعات فأثبت هذا المنحى فشله، ففتحت الدولة المجال لهذا النظام الإسلامي المتفرد، بإصدار قانون الأوقاف 91/ 10، مع عدة قوانين ومراسيم أخرى معدلة مكملة له، مما فتح المجال للدراسات الفقهية القانونية للخوض في هذا المجال منها هذه المحاولة.

- أهمية الموضوع:

من أهم المشاكل الواقعية التي تواجهها الأملاك الوقفية، هي مشكلة السندات التي تثبت وقفيتها، مما جعلها محلا للنهب والإهمال والضياع. وتتمثل الدراسة أساسا في الكشف عن سبل توثيق الأوقاف بمختلف الوسائل الممكنة الشرعية والقانونية والإدارية والتنظيمية لأجل تنوير المؤسسات والأفراد المشرفة على الأعيان الوقفية، ودفع المحسنين إلى إنشاء أوقاف جديدة على أسس قانونية ثابتة واضحة تساعد على ضمان حفظها واستمرارها بما يمكن بعد ذلك للتسيير الرشيد لأملاك الأوقاف والمداخيل الناتجة عن استثمارها وتحقيق حاجات الموقوف عليهم، وإرادة الواقفين، وكشف المطبات والفراغات التشريعية التي قد تكون هي السبب غير المباشرة في ضياع كثير من الأوقاف، مما يجعل هذه الدراسة لبنة إيجابية لسدّ هذا الفراغ ولإعادة تفعيل هذا القطاع. - أسباب اختيار الموضوع

لقد كان الدافع لاختيار هذا الموضوع مجموعة من الأسباب هي: