توثيق الأعيان الوقفية
الجزء ١ · صفحة ٥١الفصل الأول: أحكام الوقف والتوثيق
وأما الاستدلال بالمعقول: فإنّ حكم الوقف بعد موت واقفه كحكمه فى حياة واقفه، والواقف لا يبقى له بعد الموت ملك؛ بالاتفاق، فدلّ على أنّه لم يكن له في الحياة ملك بالقياس. - رابعا: الرأي الرابع
أن الوقف يملك نفسه بنفسه، وهذا القول ترجّح لدى بعض الفقهاء المعاصرين بعد أن اتضح معنى الشخصية المعنوية للعين الموقوفة وبعد أن اعترف بها التقنين الحديث، إذ مكنت الوقف من الاستقلال في اكتساب الحقوق وتلقي الالتزامات، ويتكقل الناظر بإدارة شؤونه والدفاع عن حقوقه
فالعين الموقوفة تتمتع بالشخصية المعنوية، لها كيان مستقل عن كل شخص طبيعي (إنسان) أو معنوي (مؤسسة)، وهو ما يجعلها خارج عن ملكيتهم جميعا، سواء كان الناظر أو الواقف أو الموقوف
عليه.
أمّا الرأي الذي يقول بانتقال الملكية إلى حكم الله، فإنّ كل المال مهما كان على هذه الأرض هو ملك الله تعالى + وَلِلَّهِ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ " (سورة آل عمران: 189/ 3)، المال مال الله ونحن مستخلفين فيه.
- خامسا: الترجيح
العين الموقوفة تملك نفسها هو القول الأقرب إلى المنطق التشريعي والقانوني، وبتقدير الشخصية المعنوية للوقف أو الذمة المستقلة جعلته أهلا لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات والاستمرار في الزمن حتى بفناء الموقوف عليه، فهو مستقل تمام الاستقلال عن المستحقين، فسيبقى الوقف مستمرا مادام قائما.
(1)
الفرع الثاني: ملكية العين الوقفية في التقنين الجزائري: نصت المادة 05 من قانون الأوقاف: «الوقف ليس ملكا للأشخاص الطبيعيين ولا الاعتباريين، ويتمتع بالشخصية المعنوية، وتسهر الدولة على احترام إرادة الواقف وتنفيذها»، فإضفاء المقنن الجزائري صفة الشخصية المعنوية على الوقف، يعد خيارا سليما لجدال فقهي مطروح حول تحديد الجهة التي تؤول إليها العين الموقوفة، وقد فصل بصفة قطعية، هل هي للواقف أو الموقوف عليه أو في حكم الله تعالى، أم أنّ الوقف يستطيع أن يملك نفسه ويكون له ممثل قانوني يتصرف باسمه ويمثله أمام القضاء. وعودة إلى نفس القانون المادة 03 التي تعرف الوقف: «حبس العين عن التملك … ». وكذلك المادة: 18 التي تحصر حق الموقوف عليه؛ حق انتفاع لا حق ملكية. وما دام التشريع منح له حق اكتساب الحقوق، وتحمل الالتزامات، فلماذا إذا: لا يكسب حق نفسه ويتحمّل الواجبات بالدفاع عن نفسه بتفويض ناظر، فامتلاك النفس وترشيدها إلى مصالحها أولى من أي حق أو التزام كالعبد الذي حُرّر فإنّه يصبح إنسان طبيعي كامل الحقوق والواجبات، ومسئولا عن نتائج تصرفاته، ولا يتعارض مع كونه عبدا لله، الذي بيده الأمر كله المالك الحقيقى لكل شيء في هذا الكون.
1 - رامول خالد، الإطار القانوني والتنظيمي للأوقاف، مرجع سابق، ص: 50.