توثيق الأعيان الوقفية
الجزء ١ · صفحة ٥٠- ثانيا: الرأي الثاني:
الفصل الأول: أحكام الوقف والتوثيق
إن الوقف يُخرج العين الموقوفة من ملكية الواقف؛ إلى ملكية الموقوف عليه. وبه قال الحنابلة في المشهور من مذهبهم، وقول مرجوح للشافعية (1). فقد ورد في كشاف القناع، بأنّ
الوقف ينتقل إلى الموقوف عليه، إذا كان الموقوف عليه آدميا معيّنا مثل زيد وعمرو، أو كان جمعا محصورا كأولاد الواقف أو أولاد زيد على سبيل المثال (2). ويقول ابن قدامة: «وينتقل الملك الموقوف إلى الموقوف عليهم في ظاهر المذهب». قال أحمد: «إذا وقف داره على ولد أخير صارت لهم، وهذا يدل على أنهم ملكوه» (3). إنّ صاحب الكشاف اعتبر الموقوف عليه مالكا إذا كان معيّنا وخاصا فقط، وأمّا إذا كان الموقوف عاما فلا ينتقل إلى الموقوف عليه، ويقول الماوردي في الحاوي الكبير: (والذي يدلّ عليه كلام الشافعي، أنه ذكر من كتاب الشهادات؛ أنّ الرجل إذا ادعى وقفا عليه، فأقام شاهداً أو أحد حلفا معه وهذا يدل على أن الملك قد انتقل إليه» (4)
- ثالثا: الرأي الثالث:
إنّ الوقف يُخرج الموقوف من ملك الواقف إلى حكم الله سبحانه وتعالى، وفي ذلك ترغيب للناس في الوقف، وقال بهذا الرأي الحنفية، والراجح من مذهب الشافعية، وإحدى الروايات عن مع الإشارة إلى أنّ الحنابلة يقولون بأن الموقوف إذا كان عاما فلا ينتقل إلى الموقوف عليه؛ وإنما ينتقل إلى حكم الله عزّ وجلّ، وقال بهذا الرأي الإباضية والظاهرية (5).
أحمد،
واستدلّ أصحاب هذا الرأي بالمنقول وبالمعقول
أما من المنقول: فقد ورد في حديث عمر بن الخطاب، من طريق البخاري (6)، بأنّ النبي، قال لعمر: تصدّق بأصله، لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولكن ينفق ثمره»، فتصدق به عمر وجه الاستدلال بهذا الحديث، أنّ الرسول: أمر عمر بأن يتصدّق بأصل المال الموقوف. والتصدق بالأصل يقتضي خروج العين الموقوفة من ملك الواقف، لا إلى ملك أحد من العباد، لأنّ لفظ «الصدقة» يقتضي خروجها إلى ملك الله عز وجل، لأنّ الأصل في المتصدق أن يقصد بصدقته وجه الله سبحانه وتعالى. أما الموقوف عليه فليس له إلا ناتج العين الموقوفة، أي له الانتفاع على ضوء ما يقرره الواقف؛ فلا يتصوّر انتقال العين الموقوفة إلى الموقوف عليه، لأنّ المالك، أي مالك يكون حراً في التصرف بما يملك في حين أنّ العين الموقوفة لا يجوز بيعها ولا هبتها ولا رهنها.
1
المغني، ج 6، ص 211، والشرح الكبير ج 6، ص 216، وكشاف القناع، ج 2، ص 448، ومنتهى الإرادات ج 2، ص 07، الحاوي الكبير، ج 7، ص 515. 2 - كشاف القناع، ج 2، ص 338. 3 - المغني، ج 6، ص 211. 4 - الحاوي الكبير، ج 7، ص 515. المبسوط ج 12، ص 28 - 29، وبدائع الصنائع ج 5 ص 218، وفتح القدير ج 6 ص 204، وحاشية الطحاوي ج 2 ص 529، والبحر الرائق، ج 5 ص،202، والبناية في شرح الهداية ج 6 ص 149، والحاوي الكبير، ج 7 ص 515، وكشاف القناع ج 2 ص 488، والمغني ج 2 ص،211، والشرح الكبير ج 6 ص 216، وشرح النيل ج
5
12 ص 453، المحلى ج 9 ص 178.
6 - صحيح البخاري، بهامش فتح الباري، ج 5/ 253.