حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ١٦

دعامته تحجب بسبب شدة تبسيطها تعقد اللعبة الاجتماعية ذاتها ولا تُدرك بسبب تجزئها الشديد الجدلية بين الدين والسياسة في كلّ عمقها (1). ومن هنا كان تركيزه على العامل الديني من خلال الاهتمام بالظاهرة القرآنية التي عرفتها الدولة الإسلامية وخاصة الكوفة وبيان دورها في الثورة ضدّ عثمان.

(2)

(3)

ترتبط الظاهرة القرآنية بالانتشار الكبير للإسلام خارج شبه الجزيرة العربية نتيجة الفتوحات وما تبعها من انتقال للصحابة واهتمام بعضهم كعبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري بقراءة القرآن وحفظه وتفسير آياته وهو اهتمام أدّى إلى تكون مجموعات من القرّاء حول هؤلاء الصحابة ارتفع عدد أفرادها وصار لها إشعاع ديني كبير. وقد وفّرت خلافة عثمان الإطار الملائم لتكثيف نشاط القرّاء في الكوفة واتساع دائرة اهتمامهم لتشمل بالإضافة إلى القرآن مسائل أخرى تهم الحياة السياسية. وبذلك صار القرّاء يكونون مجموعة متميزة ذات مضمون سياسي يختلف عن مضمونها الديني السابق، ويرى جعيط أن اختراق القرآن لبنى الفكر الديني وللحركة السياسية هو الذي مكّن "القرّاء" الذين صاروا على علاقة متينة مع النص القرآني وبالتالي مع الله من تجاوز الدولة باعتبار امتلاكهم للمرجعية الأولى والأساسية وهي القرآن الذي يفوق كل المرجعيات الأخرى (3). وقد زاد القرّاء تمسكاً بالنص القرآني افتقادهم للمرجعيات الأخرى مثل الصحبة أو الشرف القبلي. وعموماً يمكن القول إنّ مختلف الأسباب المذكورة سابقاً قد لعبت دوراً في دفع القرّاء إلى الثورة، وكان الحادث الذي وقع في مجلس سعيد الشرارة الأولى لهذه الثورة، ورغم أنّ عثمان قد سيّر قادة القرّاء إلى الشام في محاولة منه لاحتواء هذه الحركة المعارضة وإخماد فتيلها بإبعاد عناصرها القيادية، فإنّ المتبقين منهم في الكوفة استغلوا غياب الوالي عن المصر للقيام بتحرّك جديد هدفه إرجاع المسيرين وتنظيم عملية منع سعيد بن العاص من دخول الكوفة، وهي العمليّة التي انتهت باختيار والي جديد هو أبو موسى الأشعري وموافقة عثمان على هذا الاختيار رغم ما تمثله هذه العمليّة من تجاوز لسلطته). ويكتسي التحرك الذي شهدته الكوفة في غياب الوالي سعيد بن العاص أهمية كبيرة، لأنه يؤكد أن حركة القرّاء كان لها وجود فعلي في هذا المصر، وأن جماعة من الكوفيين كانت ملتفة حول قيادتها قد تكون محدودة العدد لكنها منظمة ونشيطة، وهو ما مكنها من القيام بتحرّك ناجح.

DJAIT (H)، op، cit.، p. 110 (1)

(4)

(2) عبد العزيز صالح الهلابي؛ إلقاء الضوء على الدور المزعوم للقرّاء في معركة صفين»، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، السعودية، مج 4، 1984،

DJAIT (H)، op، cit.، p. 136 (†)

ص

16.

(4) تفاصيل هذه الأحداث توجد في: تاريخ الطبري، ج 4، ص 317 وما بعدها؛ وفي أنساب الأشراف،

ج ه، 39 وما بعدها.

ه، ص

16