حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ١٧٥(1)
ويتبين للمتتبع لمجمل تحرّكات نجدة وأتباعه أنها كانت تسير طبق مخطط واضح هدفه في تلك المرحلة السيطرة على أطراف شبه الجزيرة المحيطة بالحجاز وتقوية الحركة ودعمها ماديًا وبشريًا قبل الدخول في مواجهة محتملة مع ابن الزبير. وقد لاحظ دغفوس أنّ المجال الذي سيطر عليه نجدة مطابق للمجال الذي كان تحت سيطرة الفرس)، وهو ما قد يدلّ على أهمية هذه المناطق وقد توخى نجدة في تلك المرحلة أسلوبين اثنين: يعتمد الأول على الدعوة السلمية، وقد استعمله لإخضاع البوادي من خلال مطالبة سكانها بدفع الصدقات اعترافاً بسلطته عليهم. ولم يلتجئ نجدة إلى القوّة في إخضاع سكان البوادي إلا لما رفض بعضهم دفع الصدقات، وهو ما حصل مع بني تميم وبني هلال ونمير هلال ونمير ". ويبدو أن نجدة لجأ إلى هذا الأسلوب السلمي لافتقاده إلى قوة عسكرية كافية تمكنه من غزو كل المناطق والسيطرة عليها بالقوة. وربما كذلك لاعتقاده في نجاعته، إذ سبق أن استعمله الرّسول وتمكن بفضله من إخضاع قبائل شبه جزيرة العربية.
(2)
أما الثاني فيعتمد على القوة العسكرية، وقد استعمله نجدة للسيطرة على المدن الكبرى وبعض المناطق مثل البحرين واليمن ويعود حرص نجدة على السيطرة على هذه المناطق إلى أهميتها الاقتصادية والاستراتيجية، فهي مزدهرة فلاحيًا يمكن للخوارج الاستفادة من مداخيلها من الزّكاة والصدقات وغيرها من الضرائب. كما يمكّن موقعها بين الخليج والمحيط الهندي من جهة وبين الحجاز والعراق من جهة أخرى من مضايقة ابن الزبير والانسحاب إلى خارج الجزيرة عند الحاجة (3)
(?).
توجه نجدة بعد هذه العمليات العسكرية إلى مكة في جمع من أصحابه بهدف الحج). ثمّ قصد المدينة بعد انقضاء الموسم وأراد دخولها وهو ما جعل سكانها يستعدّون لمواجهته حتّى إنّ عبد الله بن عمر بن الخطاب لبس سلاحه (5). ولمّا بلغت نجدة أصداء هذه الاستعدادات تراجع عن قراره واتجه إلى الطائف ومنها إلى تبالة (6) والسراة (7)، حيث
139
ص
DAGHFOUS (R)، op. cit.، p. 634. (1)
(2) المصدر المنسوب للبلاذري، ج
، 11 DAGHFOUS (R)، op. cit.، T. II، p. 640 (†)
(4) يختلف الرواة في تحديد السنة التي حج فيها نجدة، فالطبري يذكر الخبر ضمن أحداث سنة 68 هـ، في حين يذكر ابن الأثير أنّ ذلك تم سنة 68 هـ أو سنة 69 هـ. أما المصدر المنسوب للبلاذري، فينقل عن المدائني قوله إن نجدة حج في سنة 68 هـ ويقال في سنة 70 وهو الثبت. انظر: تاريخ الطبري، ج 6، 138؛ المصدر المنسوب للبلاذري، ج 137؛ ابن الأثير، الكامل، ج 3، ص (5) المصدر المنسوب للبلاذري، ج 11، ص
ص
137
11، ص
0353
(6) تبالة: موضع من أرض تهامة في طريق اليمن ياقوت الحموي، معجم البلدان البلدان، ج 2، 2، ص 9
(7) السراة: تقع بين تهامة ونجد أدناها الطائف وأقصاها قرب صنعاء: المصدر نفسه،
ج
3
ص
205
175