حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٢٠(1)
لديه من إمكانيات مادية وبشرية من إلحاق الهزيمة بالبربر لسببين اثنين أولهما الخلافات القائمة بين قواده؛ وثانيهما، ما أظهره البربر من اندفاع واستبسال في القتال. واندلعت في الوقت الذي كان فيه جيش كلثوم يواجه البربر في الغرب انتفاضة أخرى في الشرق بقيادة عكاشة بن أيوب الفزاري)، استولى القائمون بها على قابس وانضمّت إليهم صفرية زناتة وهوارة التي كان يقودها عبد الواحد الهواري (2)، واتجهت هذه المجموعة نحو القيروان وحاولت الاستيلاء عليها. ولئن تمكّن حنظلة بن صفوان قائد الجيش الثاني الذي أرسله هشام إلى إفريقية من إنقاذ المدينة من السقوط في أيدي الصفرية ومن قتل زعيمي هذا التحرّك، فإنّه لم يتمكن من إنقاذ المنطقة الغربية من أيدي البربر الذين استولوا عليها وقطعوها نهائيا عن القيروان
لكن رغم نجاح البربر في انتزاع استقلالهم، فإنهم فشلوا في تكوين الدولة القومية» التي كانوا يطمحون إلى إقامتها (3) بسبب الخلافات التي ما لبثت أن انفجرت بين زعماء التكتل القبلي المشارك في الثورة. وقد تواصلت تحرّكات الخوارج في الفترة المتبقية من الحكم الأموي، وستزداد الأوضاع اضطراباً بدخول الخوارج الإباضية في الصراع في الوقت الذي استولى فيه عبد الرحمن بن حبيب على القيروان مستغلاً انشغال الأمويين بالصراع على السلطة في الشام. إجمالاً، يظهر من خلال تتبع تحركات الخوارج بعد نهاية الفتنة الثانية أن العمليات العسكرية لم تتوقف نهائيا ولكنّها انتقلت إلى خارج العراق واختلفت عن تلك التي وقعت في الفترة السابقة كما اختلفت من منطقة إلى أخرى. ففي المناطق القريبة من قلب الإمبراطورية مثل الجزيرة الفراتية والبحرين كانت صغيرة ومشتتة أمكن القضاء عليها بسهولة، أما في بلاد المغرب فقد كانت أكثر اتساعاً، وقوّة، لذلك فشلت الدولة في إخمادها واسترجاع سيطرتها على المناطق التي شملتها.
وتشترك هذه الانتفاضات - رغم اختلافها - في العديد من الجوانب منها ارتباطها بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها المناطق التي اندلعت فيها، وهو ما يفسّر انسجام القائمين بها قبلياً وإقليميًا وعرقيا. كما تشترك في ضعف تركيز القائمين بها على المسائل الدينية وغياب ما يدلّ على تشدّدهم مثل أسلافهم في تطبيق مبادئ الحركة. وهو ما يؤكد أنّ مسعى الخوارج الجدد صار سياسيا وعسكريا بالدرجة الأولى في حين ضعف
(1) ابن عبد الحكم فتوح إفريقية، ص 96.
(2) ابن عبد الحكم، فتوح إفريقية، ص 96 - 102؛ محمد بن عميرة دور زناتة في الحركة المذهبية بالمغرب الإسلامي، الجزائر، 1984، ص 81.
س
(3) عبد الله العروي مجمل تاريخ المغرب، ص 135.
220