حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٢٢اهتمامهم بالمسائل الدينية والفكرية ولعلّ الدعاة الذين نشروا الفكر الخارجي ولا سيما في بلاد المغرب هم الذين لم يولوا هذه المسائل أهمية كبيرة، واقتصر هدفهم على تكوين مجموعات معادية للأمويين تناضل من أجل التخلص من حكمهم تجمع بينها المبادئ الخارجية الأساسيّة، في حين ظلت المسائل الفكرية تحظى باهتمام القعدة في البصرة
خاصة.
(1)
2 - نشاط الخوارج الفكري
لم يكن النشاط الفكري للخوارج وليد الفترة التي نحن بصدد دراستها ولا هو مرتبط بانحصار نشاطهم العسكري). فالخوارج الذين انبثقوا من وسط القرّاء، أظهروا منذ حروراء قدرة كبيرة على الجدل، وبرز ذلك من خلال المحاجّة التي وضعوها ضد التحكيم، ثم زادت مجادلاتهم في سنوات الفتنة الثانية وتوسعت لتشمل مسائل عديدة وقد تواصل هذا النشاط خلال الفترة المتبقية من الحكم المرواني، وانشغل به قعدة الخوارج كما شارك فيه العديد من علماء المسلمين. وزاد انحصار النشاط العسكري في توسيع نطاق الجدل وانضمام عدد كبير من الخوارج إليه ومشاركتهم فيه.
إلا أن دراسة محاور هذا النشاط ودور مختلف الأطراف فيه وتأثيراته على الخوارج يكتسي بعض الصعوبة بسبب نقص المعلومات عنه. فكتب التاريخ العام لا تولي هذا النشاط أية أهمية لاقتصارها على تتبع الأحداث السياسية والتحرّكات العسكرية. أما كتب الفرق والمقالات فهي توفر مادّة غزيرة عن مختلف المجموعات الخارجية وتطوّر عقائدها. لكن المنهج الذي اتبعه مؤلفوها في تصنيف المجموعات وتركيبها وتعديد الطوائف المتفرعة عنها لا يُمكّن من التعرّف على ظروف هذا النشاط والأسباب الحقيقية التي تفسّر اختلاف مواقف الخوارج حول بعض المسائل. حتّى إنّه يبدو لمتتبع أخبارهم من خلال تلك المصادر أن خلافاتهم نظرية بحتة لا صلة لها بالواقع الاجتماعي والسياسي الذي كانت تعيشه المجموعات الخارجيّة. هذا بالإضافة إلى الاضطراب والغموض الذي ساد نشأة العديد من الفرق والطوائف.
أما المصادر الخارجية، فتقتصر على بعض مؤلفات الإباضية (2) التي تحتوي على
(1) يذهب نايف معروف إلى القول إنّ الخوارج لم يكونوا أصحاب فكر وفلسفة. ويرجح أن يكون ذلك عائداً لانشغال زعمائهم وقادة الرأي عندهم بالخروج والجهاد، وهو ما حال دون إعمال نظرهم في مسائل الفكر المجرّد. ويربط معروف اهتمام الخوارج بدراسة الإسلام بتوقف تحركاتهم العسكرية. انظر: نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 186. (2) أهم المصادر الإباضية: كتاب طبقات المشائخ بالمغرب لأبي العباس الدرجيني، وكتاب السير للشماخي. أمّا البقية فقد ركز مؤلّفوها على الأحداث في بلاد المغرب، لذلك جاءت أخبار خوارج المشرق مقتضبة جداً.
222