حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٢٣معلومات قيمة تخص هذا النشاط إلا أنها تقتصر على أتباع هذا التيار، لذلك لا يُمكن من
خلالها تكوين فكرة واضحة عن نشاط بقيّة المجموعات الخارجية.
،وعموماً، تحتوي مختلف المصادر المذكورة - رغم نقائصها - على معلومات مفيدة في دراسة نشاط الخوارج الفكري وتسليط الضوء على بعض جوانبه، علماً بأننا سنركز قدر الإمكان على ما وقع في الخلافة الأموية وذلك بالاقتصار على المسائل التي ارتبطت بأحداث طرأت خلالها إلا أنّ تجاوزنا لهذه الفترة أمر غير مستبعد بسبب غياب الأدلة التي يمكن من خلالها تحديد زمن بعض الأحداث المذكورة تحديداً دقيقاً.
كانت مدينة البصرة المركز الرئيسي لنشاط الخوارج الفكري، ويُعزى ذلك إلى وجود أكبر عدد من الخوارج فيها منذ بداية الحكم الأموي. ولئن غادرها أغلبهم مع بداية الفتنة الثانية والتحقوا بالأهواز للمشاركة في انتفاضة الأزارقة فإنّ العناصر المتبقية تزعمت النشاط الفكري واهتمت به ووسعت نطاقه.
(1)
ولم يكن وجود الخوارج السبب الوحيد لتطوّر هذا النشاط واتّساع نطاقه. فالحركيّة الفكرية التي بدأت تشهدها البصرة في أواخر القرن الأول هجري ساهمت بدورها في جعل هذا المصر يتحوّل تدريجيا إلى أحد أبرز الأقطاب الفكرية والعلمية في الدولة الإسلامية (1) منذ بداية القرن الثاني هجري إذ كانت حلقات الدراسة في مساجده عديدة ومتنوعة تحضرها أعداد كبيرة من البصريين، وغيرهم، ولم تكن دروس المساجد تقتصر على تعليم القرآن واللغة بل تُثار فيها مسائل عديدة ومتنوعة (2).
(2)
وقد أفرز هذا النشاط الفكري العديد من العلماء الكبار، منهم: أنس بن مالك، وابن سيرين والحسن البصري وهو أشهرهم على الإطلاق كانت له حلقة معروفة يؤمها عدد كبير من المسلمين من سكان المصر وغيرهم وتُطرح فيها المسائل الدينية والسياسية والفكرية. وهو ما يبدو واضحاً من خلال قول ابن سعد عن الحسن البصري: هو من رؤوس العلماء في الفتن والدّماء» (3)، إشارة إلى مساهمته الكبيرة في الجدل الفكري الذي دار بين المسلمين حول الفتن ومسؤولية مختلف الأطراف فيها. وقد تكوّن في حلقة الحسن البصري العديد من العلماء الذين لعبوا دوراً أساسيا في تطوير الفكر العربي الإسلامي.
(3)
كان للخوارج في هذا الوسط البصري نشاط فكري مكثف طيلة خلافة بني مروان وينقل الدرجيني والشماخي أصداء هذا النشاط في الوسط الإباضي. كما توجد إشارات عديدة إلى اهتمام الخوارج في الكوفة والجزيرة الفراتية وفي شرقي الإمبراطورية بمثل هذا
110
(1) أحمد أمين فجر الإسلام، ص 185. (2) ابن قتيبة المعارف، ص 4441 أحمد أمين، فجر الإسلام، ص 183.
(3) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 7، ص 163.
223