حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٧٧(2)
كما خاف الوالي عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بدوره فساد الموسم، لذلك أسرع بإرسال وفد إلى أبي حمزة يدعوه إلى الهدنة حتى ينفر الناس فوافقه على ذلك (1). ولما انقضى الموسم فرّ عبد الواحد وترك مكة لأبي حمزة فدخلها بدون قتال، وبذلك أنجز الخوارج أولى مراحل خطتهم التي تتضمن الاستيلاء على مكة والمدينة قبل التوجه إلى مروان الثاني. إلا أن عبد الواحد كون بمجرد انتقاله إلى المدينة جيشاً كبيراً وأرسله إلى أبي حمزة لمنعه من التقدم نحو الشام وينسب المدائني تكوين هذا الجيش إلى عامل المدينة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، ويغيب في روايته عبد الواحد وهو ما يفيد إقالته من قبل مروان الثاني لعدم تصديه للخوارج وإفساحه في المجال أمامهم لدخول مكة. كان لقاء الجيشين في قديد قرب المدينة. وقد حاول أبو حمزة قبل نشوب القتال إقناع أهل المدينة بالعدول عن محاربته، مؤكداً لهم أن الخوارج لا يريدون قتالهم ولا يطلبون منهم سوى السماح لهم بالسير إلى مروان بن محمد الذي ظلمهم وجار في الحكم عليهم واستأثر بالفيء». لكن سكان المدينة رفضوا طلب الخوارج وشتموهم. وللتأكيد على تمسكهم بمحاربتهم أنشبوا القتال وأجبروهم على الردّ عليهم (3). ورغم تأكيد الخوارج على هدفهم يقتصر على السماح لهم بالمرور إلى الشام، فإننا لا نشك في وجود نية السيطرة على المدينة لديهم لأن ذلك ضروري لضمان عدم الوقوع بين عدوّين.
أن
ومما يُظهر حرص سكان المدينة على محاربة الخوارج وتحمسهم لذلك، أن موقفهم كان يختلف عن موقف أغلب المسلمين في المناطق الأخرى وخصوصاً في اليمن والعراق والجزيرة الفراتية، فقد ساند بعض سكان هذه المناطق الثائرين على حكم مروان الثاني ووقفوا إلى جانبهم في حين تبنّى البقية موقف الحياد في انتظار ما ستسفر عنه هذه الانتفاضات من دون أن يُظهروا حماساً كبيراً في الدفاع عن الحكم الأموي كما فعل سكان المدينة. ويعكس هذا التباين في المواقف تجاه حكم مروان الثاني تبايناً في المصالح، فالأطراف المتضررة من الحكم الأموي وجدت في هذه الانتفاضات فرصة مناسبة للتخلص منه، في حين أن الأطراف المستفيدة ساندته ووقفت إلى جانبه وحاولت إنقاذه. وطبيعي أن يكون سكان المدينة وخصوصاً أبناء قبيلة قريش في مقدمة المساندين باعتبار أنهم أكثر المستفيدين من هذا الحكم. كما قد يكون كره القرشيين للخوارج وخصوصاً من بني وبني هاشم وآل الزبير هو سبب تحمّسهم لقتالهم، وهو كره يعود إلى أعمال الخوارج السابقة وخصوصاً إلى ما كانوا يظهرونه من عداء سافر لقريش.
(1) الاصفهاني، الأغاني، ج 23، ص 117.
(2) المصدر نفسه، ج 23، ص 117. (3) المصدر نفسه، ج 23، ص 117.
أمية
277