حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٢٧٩

(3)

لكن رغم الحماس الذي أبداه سكان المدينة قبل المعركة، فإن الخوارج تمكنوا من الانتصار عليهم بسهولة وفي وقت وجيز وقتلوا منهم عدداً كبيراً يذكر الأصفهاني أنه بلغ ألفين ومائتين وثلاثين رجلا (1). ولولا تدخل أبي حمزة لمنع أصحابه من ملاحقة الفارين وقتل الجرحى لقُضي على الجيش بكامله. ويركز الرواة عند سردهم لأحداث هذه الموقعة على تصرفات أبي حمزة وما أظهره من تسامح في معاملة المنهزمين من جيش المدينة (2)، وهي تصرفات لم تُرضِ بقية الخوارج الذين أرادوا استغلال هذه الفرصة للانتقام من سكان المدينة والقرشيين منهم بالأخص. ولقد تصدى أحد قادة الجيش وهو علي بن الحصين لأبي حمزة ومنعه من إطلاق سراح الأسرى وينقل بعض الرواة أن علي بن الحصين أتى بالأسرى، فكان إذا رأى رجلاً من قريش قتله وإذا رأى رجلاً من الأنصار أطلقه، حتى إن محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان نسب نفسه إلى الأنصار لينجو من القتل (3). وقد عبر أحد رجال اليمن عن عمق العداء لقريش وتأصله في نفوس الخوارج أحسن تعبير حين قال: «الحمد لله الذي أقر عيني بمقتل قريش (4). وقد جاء ردّ ابنه ليؤكد هذا الشعور إذ قال: الحمد لله الذي أذلهم على أيدينا، فما كانت قريش تظن أن من نزل من عُمان من الأزد عربي (5). ورغم ما في ردّ هذا اليمني من نزعة قبلية واضحة، فالأكيد أن أسباب العداء لقريش كانت سياسية قبل أن تكون قبلية. فتصرّفات الحكام الأمويين وما أظهروه من محاباة لأقاربهم وعنفٍ في معاملة بقية السكان واستغلال الثروات مناطقهم قد جعل النقمة تتصاعد ضدهم وضد قريش التي صارت دولة بني أمية دولتها وهذا الحقد لم. يكن حكراً على الخوارج بل شمل أغلب سكان اليمن. ولعل ما يؤكد ضعف أهمية العامل القَبَلي في هذا الصراع انضمام أحد القرشيين إلى صفوف الخوارج في تلك الفترة، وهو أبو بكر بن محمد بن عمر القرشي من بني عدي بن كعب، وكان من شرطة أبي حمزة وهو الذي ترأس المجموعة الأولى التي أرسلت إلى جيش المدينة (6)

(4)

(1) الاصفهاني، الأغاني، ج 23، ص 125. أما الطبري فينقل عن الواقدي قوله إن عدد القتلي كان سبعمائة: تاريخ الطبري، ج 7، ص 398. في حين يذكر الدّرجيني أنه أربعة آلاف، وهو رقم مبالغ فيه على ما يندو. انظر الدرجيني، طبقات المشائخ، ج 2، ص 265.

125.

(2) الاصفهاني، الأغاني، ج 23، ص 125.

(3) المصدر نفسه، ج 23، ص 125.

(4) المصدر نفسه، ج 23، ص 120.

25

(5) المصدر نفسه، ج 23، ص 125.

(6) يذكر الاصفهاني بالإضافة إلى هذا القرشي أسماء لعناصر أخرى من سكان المدينة انضمت إلى صفوف الخوارج وقتلهم الجيش الشامي، منهم بشكست وهو معلم أطفال الاصفهاني، الأغاني، ج 23،

ص 125 - 139.

279