حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٨٠،
(3)
أما أسباب هزيمة أهل المدينة في قديد فقد أجمع الرواة على القول إنها تعود إلى تركيبة الجيش الذي كلّف بمحاربة الخوارج والذي كان يضمّ خليطاً من قريش والأنصار والتجار، أغمار لا علم) بالحرب، خرجوا في المصبغات والثياب الناعمة واللهو لا يظنون أن للخوارج شوكة ولا يشكّون أنهم في أيديهم (1). أما سكان المدينة فيردون هزيمتهم إلى خيانة خزاعة وتواطؤها مع الخوارج، فهي التي دلّتهم على عورتهم وأدخلتهم عليهم فقتلوهم (2). ورغم أن بعض الرواة الذين ينقلون هذا القول يشكون في صحته، فإن رواية الدرجيني التي تذكر انضمام أربعمائة من الخزاعيين المسلحين إلى صفوف الخوارج تبرّر إلقاء التهمة على خزاعة دون سواها من سائر قبائل الحجاز، فالظاهر أن الخزاعيين قد ساهموا في هزيمة سكان المدينة وهو ما جعل تهمة الخيانة والتواطؤ تُلقى عليهم. وإذا كان موقف خزاعة المعادي لقريش ومن ورائها للحكم الأموي يكتنفه بعض الغموض، فإنه كان أكثر وضوحاً في خراسان إذ كان أبناء خزاعة المستقرين في مرو والواحات المحيطة بها المحرك الرئيسي للثورة العباسية التي انطلقت في تلك الفترة. ورغم تأكدنا من أن لكل مجموعة أسبابها ودوافعها التي تفسّر مواقفها بالنظر لاختلاف الظروف، فإن اتفاق الخزاعيين على تبني مواقف متشابهة يظهر الخيبة الكبيرة التي كان يشعر بها أبناء هذه القبيلة التي ساندت الرسول في حروبه الأولى ضد قريش ووقفت إلى جانب الدولة الإسلامية في أحداث الردة وتحوّل هذا الشعور بالخيبة إلى عداء سافر لقريش وللأمويين. أما بقية القبائل، فلا تذكر المصادر عنها شيئاً باستثناء إشارة إلى مشاركة بعض رجالها في قديد وسقوط ضحايا منهم، وهو ما يؤكد مشاركتهم مع أهل المدينة في تلك المعركة. وعموماً فقد أثرت موقعة قديد كثيراً في القرشيين وفي سكان المدينة عامة، وهو ما يبدو واضحاً من خلال الروايات وخصوصاً الأشعار التي رثت قتلى هذه الموقعة (5).
(4)
(1) الاصفهاني، الأغاني، ج 23، ص 121.
(2) ج 23، (2 المصدر نفسه، ج 23، ص 120
(3) الدرجيني، طبقات المشائخ، ج 2، ص 265.
(4) الاصفهاني الألهاني، ج 23، ص 125.
(5) من بين الأشعار التي رثت قتلى قديد ما قالته نائحة من أهل المدينة:
ـلزمان ومال
فلأبكـ
سن
ـن سـ
ولأبكـ
من إذا إذا خلو
أفنت قديد رجا
ولأبكـ
من علانية
ت
مع الكلاب العاوي
الاصفهاني، الأغاني، ج 23، ص 126؛ تاريخ الطبري، ج 7، ص 397).
كما رثاهم أحد أصحابهم بهذه الأبيات التي يقول فيها:
يا لهف نفسي ولهف غير كاذبة على فوارس بالبطحاء أنجاد
280